الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ولو قضى على الغائب بلا نائب ينفذ ) في أظهر الروايتين عن أصحابنا ذكره منلا خسرو في باب خيار العيب [ ص: 415 ] ( وقيل لا ) ينفذ ورجحه غير واحد ، وفي المنية والبزازية ومجمع الفتاوى وعليه الفتوى ورجح في الفتح توقفه على إمضاء قاض آخر وفي البحر والمعتمد أن القضاء على المسخر لا يجوز إلا لضرورة وهي في خمس مسائل

اشترى بالخيار فتوارى اختفى المكفول له .

حلف ليوفينه اليوم فتغيب الدائن .

جعل أمرها بيدها إن لم تصل نفقتها فتغيب .

الخامسة إذا توارى الخصم فالمتأخرون أن القاضي ينصب وكيلا في الكل وهو قول الثاني خانية .

قلت : ونقل شراح الوهبانية عن شرح أدب القاضي [ ص: 416 ] أنه قول الكل وأن القاضي يختم بيته مدة يراها ثم ينصب الوكيل .

التالي السابق


( قوله : ولو قضى على غائب إلخ ) أي قضى من يرى جوازه كشافعي لإجماع الحنفية على أنه لا يقضى على غائب كما ذكره الصدر الشهيد في شرح أدب القضاء ، كذا حققه في البحر .

والحاصل : أنه لا خلاف عندنا في عدم جواز القضاء على الغائب ، وإنما الخلاف في أنه لو قضى به من يرى جوازه هل ينفذ بدون تنفيذ أو لا بد من إمضاء قاض آخر ورأيت نحو هذا منقولا عن إجابة السائل عن بعض رسائل العلامة قاسم ، وبه ظهر أن قول المصنف فيما مر ، ولا يقضى على غائب بيان لحكم المذهب عندنا وقوله : هنا ولو قضى إلخ ، حكاية للخلاف في النفاذ وعدمه .

قلت : بقي ما لو قضى الحنفي بذلك ولا يخفى أنه يأتي فيه الكلام المار فيما لو قضى في مجتهد فيه ، بخلاف رأيه وما فيه من التفصيل واختلاف التصحيح فعلى قول من رجح الجواز لا يبقى فرق بين الحنفي وغيره ، وعلى هذا يحمل ما صرح به في القنية من أنه لا يشترط في نفاذ القضاء على الغائب أن يكون من شافعي ، وبه اندفع ما أورده الرملي والمقدسي على صاحب البحر حيث خصه بمن يرى جوازه كما ذكرنا . واندفع أيضا ما يتوهم من المنافاة بين ما ذكره الصدر الشهيد وما في القنية هذا ما ظهر لي فتدبره ، لكن استظهر في البحر بعد ذلك تخصيص الخلاف في النفاذ وعدمه بالحكم للمفقود لا مطلق الغائب واستدل بعبارة في الخانية ، ونازعه الرملي بأنها لا تدل على مدعاه ، بل الظاهر من كلامهم التعميم ا هـ ، وقال في جامع الفصولين : قد اضطربت آراؤهم وبيانهم في مسائل الحكم للغائب ، وعليه ولم يصف ولم ينقل عنهم أصل قوي ظاهر يبنى عليه الفروع بلا اضطراب ولا إشكال فالظاهر عندي أن يتأمل في الوقائع ، ويحتاط ويلاحظ الحرج والضرورات فيفتي بحسبها جوازا أو فسادا ، مثلا لو طلق امرأته عند العدل فغاب عن البلد ، ولا يعرف مكانه أو يعرف ، ولكن يعجز عن إحضاره أو عن أن تسافر إليه هي أو وكيلها لبعده أو لمانع آخر ، وكذا المديون لو غاب وله نقد في البلد أو نحو ذلك ، ففي مثل هذا لو برهن على الغائب ، وغلب على ظن القاضي أنه حق لا تزوير ، ولا حيلة فيه فينبغي أن يحكم عليه وله ، وكذا للمفتي أن يفتي بجوازه دفعا للحرج والضرورات وصيانة للحقوق عن الضياع مع أنه مجتهد فيه ، ذهب إليه الأئمة الثلاثة وفيه روايتان عن أصحابنا ، وينبغي أن ينصب عن الغائب وكيل يعرف أنه يراعي جانب الغائب ولا يفرط في حقه ا هـ وأقره في نور العين

قلت : ويؤيده ما يأتي قريبا في المسخر ، وكذا ما في الفتح من باب المفقود لا يجوز القضاء على الغائب إلا إذا رأى القاضي مصلحة في الحكم له وعليه فحكم فإنه ينفذ ; لأنه مجتهد فيه ا هـ .

قلت : وظاهره ولو كان القاضي حنفيا ولو في زماننا ولا ينافي ما مر ; لأن تجويز هذا للمصلحة والضرورة [ ص: 415 ]

( قوله : وقيل لا ينفذ ) أي بل يتوقف على إمضاء قاض آخر كما في البحر .

( قوله : ورجح في الفتح إلخ ) ليس قولا ثالثا ، بل هو القول الثاني كما علمت ، وهذا مبني على أن نفس القضاء مجتهد فيه كقضاء محدود في قذف بعد توبته والأول مبني على أن المجتهد فيه سبب القضاء وهو أن هذه البينة هل تكون حجة للقضاء بلا خصم حاضر أم لا فإذا قضى بها نفذ كما لو قضى بشهادة المحدود في قذف بعد توبته . مطلب في القضاء على المسخر . ( قوله : والمعتمد إلخ ) مقابله قول جواهر زاده بجوازه ; لأنه أفتى بجواز القضاء على الغائب ، وهو عين القضاء على الغائب بحر وفيه أيضا وتفسير المسخر أن ينصب القاضي وكيلا عن الغائب ليسمع الخصومة عليه وشرطه عند القائل به أن يكون الغائب في ولاية القاضي .

( قوله : وهي في خمس ) لم يذكر الرابعة في البحر بل زادها الشارح .

( قوله : اشترى بالخيار ) أي وأراد الرد في المدة فاختفى البائع فطلب المشتري من القاضي أن ينصب خصما عن البائع ليرده عليه ، وهذا أحد قولين عزاهما في جامع الفصولين إلى الخانية لكنه قدم هذا ، وعادة قاضي خان تقديم الأشهر .

( قوله : اختفى المكفول له ) صورته : كفل بنفسه على أنه إن لم يواف به غدا فدينه على الكفيل ، فغاب الطالب في الغد فلم يجده الكفيل ، فرفع الأمر إلى القاضي ، فنصب وكيلا عن الطالب وسلم إليه المكفول عنه ، يبرأ وهو خلاف ظاهر الرواية إنما هو في بعض الروايات عن أبي يوسف قال أبو الليث : لو فعل به قاض علم أن الخصم تغيب لذلك فهو حسن جامع الفصولين

قلت : ما قاله أبو الليث توفيق بين الروايتين لكن ما نذكره من التصحيح في المسألة التالية لهذه ينبغي إجراؤه في رواية أبي يوسف إذ لا فرق يظهر بين المسألتين تأمل .

( قوله : حلف ليوفينه اليوم إلخ ) بأن علق المديون العتق أو الطلاق على عدم قضائه اليوم ثم غاب الطالب وخاف الحالف الحنث فإن القاضي ينصب وكيلا عن الغائب ويدفع الدين إليه ولا يحنث الحالف وعليه الفتوى بحر عن الخانية . وفي حاشية مسكين عن الشيخ شرف الدين الغزي أنه لا حاجة إلى نصب الوكيل لقبض الدين فإنه إذا دفع إلى القاضي بر في يمينه على المختار المفتى به كما في كثير من كتب المذهب المعتمدة ولو لم يكن ثمة قاض حنث على المفتى به ا هـ .

( قوله : فتغيبت ) أي لإيقاع الطلاق عليه فإنه ينصب من يقبض لها ط .

( قوله : خانية ) لم أر هذه العبارة في الخانية في هذا المحل . مطلب في الخصم إذا اختفى في بيته

. ( قوله : الخامسة إلخ ) ذكر في شرح أدب القاضي لو قال رجل للقاضي لي على فلان حق وقد توارى عني في منزله فالقاضي يكتب إلى الوالي في إحضاره فإن لم يظفر به وسأل الطالب الختم على بابه فإن أتى بشاهدين أنه في منزله وقالا رأيناه منذ ثلاثة أيام أو أقل ختم عليه لا إن زاد على ثلاث والصحيح أنه مفوض إلى رأي الحاكم فإذا [ ص: 416 ] ختم وطلب المدعي أن ينصب له وكيلا بعث القاضي إلى داره رسولا مع شاهدين ينادي بحضرتهما ثلاثة أيام في كل يوم ثلاث مرات يا فلان بن فلان إن القاضي يقول لك احضر مع خصمك فلان مجلس الحكم وإلا نصبت لك وكيلا وقبلت بينته عليك ، فإن لم يخرج نصب له وكيلا وسمع شهود المدعي وحكم عليه بمحضر وكيله ا هـ ملخصا .

( قوله : أنه قول الكل ) أي النصب على الخصم المتواري ، وهو الذي تعطيه عبارة الكمال .

( قوله : وأن القاضي إلخ ) الذي في شرح الأدب هو ما ذكرناه من تفويض المدة إلى القاضي في رؤية الشاهدين للمختفي لا في مدة الختم والذي في شرح الوهبانية مثل ما ذكرناه أيضا .




الخدمات العلمية