الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              ( والأظهر أنه ) أي : القاضي ولو قاضي ضرورة على الأوجه ( يقضي بعلمه ) إن شاء أي : بظنه المؤكد الذي يجوز له الشهادة مستندا إليه ، وإن استفاده قبل ولايته . واشتراط القطع ومنع الاكتفاء بالظن مطلقا ضعيف ، ومن ثم مثله الأئمة بأن يدعى عنده بمال ، وقد رآه أقرضه إياه قبل ، أو سمعه قبل أقر له به مع احتمال الإبراء ، أو غيره ولو سمع دائنا أبرأ مدينه فأخبره فقال : مع إبرائه دينه باق علي عمل به [ ص: 149 ] وليس على خلاف العلم ؛ لأن إقراره المتأخر عن الإبراء دافع له ، ولا بد أن يصرح بمستنده فيقول : علمت أن له عليك ما ادعاه وقضيت ، أو حكمت عليك بعلمي ، فإن ترك أحد هذين اللفظين لم ينفذ حكمه كما قاله الماوردي وتبعوه ولم يبالوا باستغراب ابن أبي الدم له قال ابن عبد السلام : ولا بد أيضا من كونه ظاهر التقوى ، والورع . ا هـ . وهو احتياط لا بأس به . ويقضي بعلمه في الجرح ، والتعديل ، والتقويم قطعا ، وكذا على من أقر بمجلسه أي واستمر على إقراره ، لكنه قضاء بالإقرار دون العلم ، فإن أنكر كان قضاء بالعلم فلا تناقض في كلامهما كما رد به البلقيني على الإسنوي . ولو رأى وحده هلال رمضان قضى به قطعا بناء على ثبوته بواحد ( إلا في حدود ) ، أو تعازير ( الله تعالى ) كحد زنا ، أو محاربة ، أو سرقة ، أو شرب لسقوطها بالشبهة مع ندب سترها في الجملة ، نعم من ظهر منه في مجلس حكمه ما يوجب تعزيرا عزروه ، وإن كان قضاء بالعلم قال جمع متأخرون : وقد يحكم بعلمه في حد لله تعالى كما إذا علم من مكلف أنه أسلم ، ثم أظهر الردة فيقضي عليه بموجب ذلك قال البلقيني : وكما إذا اعترف في مجلس الحكم بموجب حد و لم يرجع عنه فيقضي فيه بعلمه ، وإن كان إقراره سرا ؛ لخبر { ، فإن اعترفت فارجمها } ولم يقيد بحضرة الناس وكما إذا أظهر منه في مجلس الحكم على رءوس الأشهاد نحو ردة وشرب خمر ، أما حدود الآدميين فيقضي فيها ، سواء المال ، والقود وحد القذف .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : أي : بظنه ) الأصوب أن يقول : أي بالأعم [ ص: 149 ] من علمه حقيقة وظنه المؤكد . ( قوله : فيقول علمت أن له عليك ما ادعاه ) عبارة شرح الروض : فيقول قد علمت أن له عليك ما ادعاه وحكمت عليك بعلمي فإن اقتصر على أحدهما لم ينفذ الحكم . ا هـ . ( قوله : وكذا من أقر بمجلسه إلخ ) عبارة شرح الروض ، أما الإقرار بمجلس حكمه بعد الدعوى فالحكم به لا بالعلم كما علم مما مر أيضا نعم إن [ ص: 150 ] أقر عنده سرا فهو حكم بالعلم قاله في الأنوار . ا هـ . ولعل المراد بمجلس حكمه ما فيه من يثبت به الإقرار .



                                                                                                                              حاشية الشرواني

                                                                                                                              ( قول المتن : والأظهر أنه يقضي بعلمه ) ؛ لأنه إذا حكم بما يفيد الظن وهو الشاهدان ، أو شاهد ويمين فبالعلم أولى لكنه مكروه وكما أشار إليه الشافعي في الأم ولا يقضي بعلمه جزما لأصله وفرعه وشريكه في المشترك مغني وأسنى . ( قوله : ولو قاضي ضرورة إلخ ) وفاقا للأسنى ، والمغني في غير الفاسق وخلافا للنهاية عبارته أي : القاضي المجتهد وجوبا الظاهر التقوى ، والورع ندبا أما قاضي الضرورة فيمتنع عليه القضاء به حتى لو قال : قضيت بحجة شرعية أوجبت الحكم بذلك وطلب منه بيان مستنده لزمه ذلك ، فإن امتنع رددناه ولا نعمل به كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى تبعا لبعض المتأخرين . ا هـ . وعبارة الأولين : قال الأذرعي : وإذا نفذنا أحكام القاضي الفاسق للضرورة كما مر فينبغي أن لا ينفذ قضاؤه بعلمه بلا خلاف ؛ إذ لا ضرورة إلى تنفيذ هذه الجزئية النادرة مع فسقه الظاهر وعدم قبول شهادته بذلك قطعا . ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : إن شاء ) إلى قوله : كما قاله الماوردي في النهاية إلا قوله : واشتراط القطع إلى ومن ثم وإلى قول المتن : ولو رأى في المغني إلا قوله : ذلك وقوله : وتبعوه إلى قال وقوله : وهو احتياط لا بأس به وقوله : فلا تناقض إلى المتن وقوله : وكما إذا إلى ، أما حدود الآدميين . ( قوله : أي : بظنه المؤكد إلخ ) كمشاهدة اليد ، والتصرف مدة طويلة بلا معارض وكخبرة باطن المعسر ، ومن لا وارث له ونحو ذلك . ولا يكتفى في ذلك أي : في الحكم بالعلم بمجرد الظنون ، وما يقع في القلوب بلا أسباب لم يشهد الشرع باعتبارها هذا كله فيما علمه بالمشاهدة ، أما ما علمه بالتواتر فهو أولى ؛ لأن المحذور ثم التهمة فإذا شاع الأمر زالت واختار البلقيني التفصيل بين التواتر الظاهر لكل أحد كوجود بغداد فيقضي به قطعا وبين التواتر المختص فيخرج على خلاف القضاء بالعلم . ا هـ . مغني .

                                                                                                                              ( قوله : أي بظنه إلخ ) الأصوب أن يقول : أي بالأعم من علمه حقيقة وظنه المؤكد . ا هـ . سم . ( قوله : وإن استفاده ) أي : العلم قبل ولايته ، أو في غير محل ولايته وسواء كان في الواقعة بينة أم لا مغني وأسنى . ( قوله : مطلقا ) أي : مؤكدا كان أم لا ( قوله : ومن ثم ) أي : من أجل أن المراد بالعلم الظن المؤكد أو من أجل ضعف منع الاكتفاء إلخ ( قوله : مثله ) أي : القضاء بالعلم . ا هـ . أسنى . ( قوله : بأن يدعى عنده إلخ ) عبارة الأسنى بما إذا ادعى عليه مالا وقد رآه القاضي أقرضه ذلك ، أو سمع المدعى عليه أقر بذلك . ا هـ . ( قوله : مع احتمال الإبراء وغيره ) أي : فمجرد رؤية الإقراض وسماع الإقرار لا يفيد العلم بثبوت المحكوم به وقت القضاء . ا هـ . أسنى . ( قوله : أبرأ مدينه ) ومثله بالأولى ما إذا أقر أنه لا دين له عليه كما لا يخفى وقوله : فأخبره بذلك لعله مثال ا هـ رشيدي . ( قوله : فأخبره ) أي : أخبر القاضي المدين بالإبراء . ( قوله : فقال مع أبرأته إلخ ) عبارة المغني فقال أعرف صدور الإبراء منه ، ومع ذلك فدينه باق علي . ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : عمل به ) يؤخذ من هذا جواب حادثة وقع السؤال عنها وهي أن شخصا له دين على آخر فأقر الدائن بوصول حقه له من المدين عند جماعة ثم بلغ المدين ذلك فقال : جزاه الله خيرا فإنه أقر تجملا مع بقاء حقه بذمتي وأنه لم يصل إليه مني شيء [ ص: 149 ] وهو أنه يعمل بقول المدين ، ويحمل قول الدائن : وصل إليه على أنه أقر على رسم القبالة مثلا ، أو أن وصلني على معنى أنه وعدني بالإيصال ، أو نحو ذلك . ا هـ . ع ش . ( قوله : وليس إلخ ) أي : ليس عمل القاضي بإقرار المدين وحكمه عليه بما أقر به قضاء على خلاف العلم . ا هـ . مغني . ( قوله : لأن إقراره المتأخر إلخ ) عبارة المغني : لأن إقرار الخصم المتأخر عن الإبراء قد يرفع حكم الإبراء فصار العمل به لا بالبينة ولا بالإقرار المتقدم . ا هـ . ( قوله : دافع له ) لعل المراد أنه متضمن للاعتراف من المدين بعدم صحة البراءة ، أو بمعنى أن دينه ثابت علي أي : نظيره بأن تجدد بعد البراءة مثله وإلا فالبراءة بعد وقوعها لا ترتفع . ا هـ . ع ش .

                                                                                                                              ( قوله : ولا بد إلخ ) أي في القضاء بالعلم . ( قوله : بمستنده ) أي : بأن مستنده علمه بذلك . ا هـ . أسنى . ( قوله : فيقول : علمت أنه إلخ ) عبارة الأسنى ، والمغني فيقول قد علمت إلخ . ( قوله : ولا بد أيضا إلخ ) ظاهره الوجوب ، ويصرح به قول المغني ، والأسنى وشرط الشيخ عز الدين في القواعد كون الحاكم ظاهر التقوى ، والورع . ا هـ . وتقدم أن النهاية جرت على ندبه وإليه يميل قول الشارح وهو احتياط إلخ . ( قوله : ويقضي بعلمه ) إلى المتن في النهاية إلا قوله : فلا تناقض إلى ولو رأى وحده . ( قوله : وكذا على من أقر بمجلسه إلخ ) عبارة المغني . ( قوله : بمجلسه ) عبارة شرح الروض بمجلس حكمه بعد الدعوى . ا هـ . ولعل المراد بمجلس حكمه ما فيه من يثبت به الإقرار . ا هـ . سم واستثنى أي : البلقيني من محل الخلاف بالقضاء بالعلم صورا إحداها : ما لو أقر بمجلس قضائه إلخ ، ثانيها لو علم الإمام استحقاق من طلب الزكاة جاز الدفع له ، ثالثها لو عاين القاضي اللوث كان له اعتماده ، ولا يخرج على الخلاف في القضاء بالعلم رابعها أن يقر عنده بالطلاق الثلاث ، ثم يدعي زوجيتها خامسها أن يدعي أن فلانا قتل أباه وهو يعلم أنه قتله غيره . ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : لكنه قضاء بالإقرار إلخ ) نعم إن أقر عنده سرا فهو بالعلم قاله في الأنوار . ا هـ . أسنى . ( قوله : في كلامهما ) أي : الشيخين . ( قوله : إلا في حدود ، أو تعازير الله تعالى ) خرج بحدود الله تعالى وتعزيراته حقوقه المالية فيقضي فيها بعلمه كما صرح به القاضي الدارمي . ا هـ . مغني . ( قوله : أو تعازير ) إلى الفصل في النهاية إلا قوله : وإن كان إقراره إلى وكما إذا وقوله : ودليل حل الحلف إلى وفارقت . ( قوله : في الجملة ) احتراز عن المستثنيات الآتية آنفا .

                                                                                                                              ( قوله : من ظهر منه في مجلس حكمه إلخ ) هذا علم مما قدمه في شرح ولا ينفذ حكمه لنفسه إلخ من قوله وإنما جاز له تعزير من أساء أدبه عليه إلخ ، ومع ذلك لا يعد تكرارا ؛ لأن ما هنا قصد به بيان الحكم ، وما تقدم سبق لمجرد الفرق . ا هـ . ع ش ( قوله : بموجب حد ) أي : كشرب الخمر . ( قوله : ولم يرجع عنه إلخ ) لكن الحكم هنا ليس بالعلم كما مر نظيره قريبا . ا هـ . رشيدي . ( قوله : ولم يقيد بحضرة الناس ) أي : لم يقيد الاعتراف بكونه في حضرة الناس . ( قوله : أما حدود الآدميين ) الأولى حقوق الآدمي . ( قوله : سواء المال ) أي : قطعا ، والقود وحد القذف أي : على الأظهر . ا هـ . مغني .




                                                                                                                              الخدمات العلمية