الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر مسير معز الدولة بن بويه إلى كرمان ، وما جرى عليه بها

في هذه السنة سار أبو الحسين أحمد بن بويه ، الملقب بمعز الدولة ، إلى كرمان .

وسبب ذلك أن عماد الدولة بن بويه وأخاه ركن الدولة لما تمكنا من بلاد فارس وبلاد الجبل ، وبقي أخوهما الأصغر أبو الحسين أحمد بغير ولاية يستبد بها ، رأيا أن يسيراه إلى كرمان ، ففعلا ذلك ، وسار إلى كرمان في عسكر ضخم شجعان ، فلما بلغ السيرجان استولى عليها ، وجبى أموالها وأنفقها في عسكره .

وكان إبراهيم بن سيمجور الدواتي يحاصر محمد بن إلياس بن أليسع بقلعة هناك بعساكر نصر بن أحمد صاحب خراسان ، فلما بلغه إقبال معز الدولة ، سار عن كرمان إلى خراسان ، ونفس عن محمد بن إلياس ، فتخلص من القلعة ، وسار إلى مدينة بم ، وهي على طرف المفازة بين كرمان وسجستان ، فسار إليه أحمد بن بويه ، فرحل من مكانه إلى سجستان بغير قتال ، فسار أحمد إلى جيرفت ، وهي قصبة كرمان ، واستخلف على بم بعض أصحابه .

فلما قارب جيرفت أتاه ( رسول علي ) بن الزنجي المعروف بعلي كلويه ، وهو رئيس القفص ، والبلوص ، وكان هو وأسلافه متغلبين على تلك الناحية ، إلا أنهم يجاملون كل سلطان يرد البلاد ويطيعونه ، ويحملون إليه مالا معلوما ولا يطئون بساطه ، فبذل لابن بويه ذلك المال ، فامتنع أحمد من قبوله إلا بعد دخول جيرفت ، فتأخر علي بن كلويه نحو عشرة فراسخ ، ونزل بمكان صعب المسلك ، ودخل أحمد بن بويه جيرفت ، واصطلح هو وعلي ، وأخذ رهائنه وخطب له .

فلما استقر الصلح وانفصل الأمر ، أشار بعض أصحاب ابن بويه عليه بأن يقصد عليا ويغدر به ، ويسري إليه سرا على غفلة ، وأطمعه في أمواله ، وهون عليه أمره بسكونه إلى [ ص: 55 ] الصلح ، فأصغى الأمير أبو الحسين أحمد إلى ذلك لحداثة سنه ، وجمع أصحابه وأسرى نحوهم جريدة .

وكان علي محترزا ومن معه قد وضعوا العيون على ابن بويه ، ( فساعة تحرك بلغته الأخبار ، فجمع أصحابه ورتبهم بمضيق على الطريق ، فلما اجتاز بهم ابن بويه ) ثاروا به ليلا من جوانبه ، فقتلوا في أصحابه ، وأسروا ، ولم يفلت منهم إلا اليسير ، ووقعت بالأمير أبي الحسين ضربات كثيرة ، ووقعت ضربة منها في يده اليسرى فقطعتها من نصف الذراع ، وأصاب يده اليمنى ضربة أخرى سقط [ منها ] بعض أصابعه ، وسقط مثخنا بالجراح بين القتلى ، وبلغ الخبر بذلك إلى جيرفت ، فهرب كل من كان بها من أصحابه .

ولما أصبح علي كلويه تتبع القتلى ، فرأى الأمير أبا الحسين قد أشرف على التلف ، فحمله إلى جيرفت ، وأحضر له الأطباء ، وبالغ في علاجه ، واعتذر إليه ، وأنفذ رسله يعتذر إلى أخيه عماد الدولة بن بويه ، ويعرفه غدر أخيه ، ويبذل من نفسه الطاعة ، فأجابه عماد الدولة إلى ما بذله ، واستقر بينهما الصلح ، وأطلق علي كل من عنده من الأسرى وأحسن إليهم .

ووصل الخبر إلى محمد بن إلياس بما جرى على أحمد بن بويه ، فسار من سجستان إلى البلد المعروف بجنابة ، فتوجه إليه ابن بويه ، وواقعه ودامت الحرب بينهما عدة أيام ، فانهزم ابن إلياس ، وعاد أحمد بن بويه ظافرا ، وسار ( نحو علي ) كلويه لينتقم منه ، فلما قاربه أسرى إليه في أصحابه الرجالة ، فكبسوا عسكره ليلا في ليلة شديدة المطر ، فأثروا فيهم وقتلوا ونهبوا وعادوا ، وبقي ابن بويه باقي ليلته ، فلما أصبح سار نحوهم ، فقتل منهم عددا كثيرا ، وانهزم علي كلويه .

وكتب ابن بويه إلى أخيه عماد الدولة بما جرى له معه ومع ابن إلياس وهزيمته ، فأجابه أخوه يأمره بالوقوف بمكانه ولا يتجاوزه ، وأنفذ إليه قائدا من قواده يأمره بالعود إليه إلى فارس ، ويلزمه بذلك ، فعاد إلى أخيه ، وأقام عنده بإصطخر إلى أن قصدهم أبو [ ص: 56 ] عبد الله البريدي منهزما من ابن رائق وبجكم ، فأطمع عماد الدولة في العراق ، وسهل عليه ملكه ، فسير معه أخاه معز الدولة أبا الحسين ، على ما نذكره سنة ست وعشرين وثلاثمائة .

التالي السابق


الخدمات العلمية