الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر تفرق ممالك الأندلس

ثم إن الأندلس اقتسمه أصحاب الأطراف والرؤساء ، فتغلب كل إنسان على شيء منه ، فصاروا مثل ملوك الطوائف ، وكان ذلك أضر على المسلمين فطمع بسببه العدو الكافر ، خذله الله ، فيهم ، ولم يكن لهم اجتماع إلى أن ملكه أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ، على ما نذكره إن شاء الله .

فأما قرطبة فاستولى عليها أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور ، المقدم ذكره ، وكان من وزارة الدولة العامرية ، قديم الرئاسة ، موصوفا بالدهاء والعقل ، ولم يدخل في شيء من الفتن قبل هذا ( بل كان يتصاون عنها ) فلما خلا له الجو [ ص: 629 ] وأمكنته الفرصة ، وثب عليها فتولى أمرها وقام بحمايتها ، ولم يتنقل إلى رتبة الإمارة ظاهرا ، بل دبرها تدبيرا لم يسبق إليه ، وأظهر أنه حام للبلد إلى أن يجيء من يستحقه ، ويتفق عليه الناس ، فيسلمه إليه ، ورتب البوابين والحشم على أبواب قصور الإمارة ، ولم يتحول هو عن داره إليها ، وجعل ما يرتفع من الأموال السلطانية بأيدي رجال رتبهم لذلك ، وهو المشرف عليهم ، وصير أهل الأسواق جندا ، وجعل أرزاقهم ربح أموال تكون بأيديهم دينا عليهم ، فيكون الربح لهم ، ورأس المال باقيا عليهم ، وكان يتعهدهم في الأوقات المتفرقة لينظر كيف حفظهم لها ، وفرق السلاح عليهم ، فكان أحدهم لا يفارقه سلاحه حتى يعجل حضوره إن احتاج إليه .

وكان جهور يشهد الجنائز ، ويعود المرضى ، ويحضر الأفراح على طريقة الصالحين ، وهو مع ذلك يدبر الأمر تدبير الملوك ، وكان مأمون الجانب ، وأمن الناس في أيامه ، وبقي كذلك إلى أن مات في صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ، وقام بأمرها بعده ابنه أبو الوليد محمد بن جهور على هذا التدبير إلى أن مات ، فغلب عليها الأمير الملقب بالمأمون ، صاحب طليطلة ، فدبرها إلى أن مات بها .

التالي السابق


الخدمات العلمية