الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر إصعاد البريديين إلى بغداذ

لما قتل بجكم ، اجتمعت الديلم على بلسواز بن مالك بن مسافر ، فقتله الأتراك ، فانحدر الديلم إلى أبي عبد الله البريدي ، وكانوا منتخبين ليس فيهم حشو ، فقوي بهم ، وعظمت شوكته ، فأصعدوا من البصرة إلى واسط في شعبان ، فأرسل المتقي لله إليهم يأمرهم أن لا يصعدوا ، فقالوا : نحن محتاجون إلى مال ، فإن أنفذ لنا منه شيء ، لم نصعد ، فأنفذ إليهم مائة ألف وخمسين ألف دينار ، فقال الأتراك للمتقي : نحن نقاتل بني البريدي ، فأطلق لنا مالا وانصب لنا مقدما ، فأنفق فيهم مالا ، وفي أجناد بغداذ القدماء أربعمائة ألف دينار من المال الذي أخذ لبجكم ، وجعل عليه سلامة الطولوني ، وبرزوا مع المتقي لله إلى نهر ديالي يوم الجمعة لثمان بقين من شعبان .

وسار البريدي من واسط إلى بغداذ ، ولم يقف على ما استقر معه ، فلما قرب من بغداذ اختلف الأتراك البجكمية ، واستأمن بعضهم إلى البريدي ، وبعضهم سار إلى الموصل ، واستتر سلامة الطولوني وأبو عبد الله الكوفي ، ولم يحصل الخليفة إلا على [ ص: 95 ] إخراج المال ، وهم أرباب النعم والأموال ، بالانتقال من بغداذ خوفا من البريدي وظلمه وتهوره .

ودخل أبو عبد الله البريدي بغداذ ثان عشر من رمضان ، ونزل بالشفيعي ، ولقيه الوزير أبو الحسين ، والقضاة ، والكتاب ، وأعيان الناس ، وكان معه من أنواع السفن ما لا يحصى كثرة ، فأنفذ إليه المتقي يهنيه بسلامته ، وأنفذ إليه طعاما وغيره عدة ليال ، وكان يخاطب بالوزير ، وكذلك أبو الحسين بن ميمون وزير الخليفة أيضا ، ثم عزل أبو الحسين ، وكانت مدة وزارة أبي الحسين ثلاثة وثلاثين يوما ، ثم قبض أبو عبد الله البريدي على أبي الحسين وسيره إلى البصرة ، وحبسه بها إلى أن مات ( في صفر سنة ثلاثين وثلاثمائة من حمى حادة ) .

ثم أنفذ البريدي إلى المتقي يطلب خمسمائة ألف دينار ليفرقها في الجند ، فامتنع عليه ، فأرسل إليه يتهدده ، ويذكره ما جرى على المعتز ، والمستعين ، والمهتدي ، وترددت الرسل ، فأنفذ إليه تمام خمسمائة ألف دينار ، ولم يلق البريدي المتقي لله مدة مقامه ببغداذ .

التالي السابق


الخدمات العلمية