الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
112 - " اتركوا الدنيا لأهلها؛ فإنه من أخذ منها فوق ما يكفيه؛ أخذ من حتفه وهو لا يشعر " ؛ (فر)؛ عن أنس .

التالي السابق


(اتركوا الدنيا لأهلها) ؛ أي: صيروها من قبيل المتروك؛ الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال؛ ولا تذهب النفس إليه؛ لخسته؛ والمراد بالدنيا الدنانير والدراهم؛ أو المطعم والمشرب والملبس ومتعلقات ذلك؛ أي: التوسع في ذلك؛ والتهافت على أخذ ما فوق الكفاية؛ وأما تفسيره بحب الحياة فلا يلائم السوق؛ كما لا يخفى على أهل الذوق؛ قال الفاكهي: ودنيا كل إنسان بحسب حاله؛ فكلام الشيخ بين طلبته؛ والأمير بين جنده؛ دنيا بالنسبة لهم؛ إلا أن يقصدوا به أمرا أخرويا؛ وذا لا يكاد يكون إلا من موفق؛ لاح له من علم الآخرة لائح؛ فاشتاق لمولاه؛ وغلب شيطانه وهواه؛ وذكر الغزالي أن عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - مر برجل نائم ملتف بعباءة؛ فقال: " يا نائم؛ قم فاذكر الله (تعالى)" ؛ قال: ما تريد مني وقد تركت الدنيا لأهلها؛ فقال: " نم إذا يا حبيبي نم" ؛ (فإنه) ؛ أي: الشأن؛ (من أخذ منها) ؛ مقدارا؛ (فوق ما) ؛ أي: القدر الذي (يكفيه) ؛ أي: زائدا على الذي يحتاجه لنفسه؛ والممونة؛ من نحو مأكل ومشرب وملبس ومسكن وخادم ومركب وآنية تليق به وبهم؛ (أخذ من حتفه) ؛ أي: أخذ في أسباب هلاكه؛ و" الحتف" : الهلاك؛ قال الزمخشري : قالوا: " المرء يسعى ويطوف؛ وعاقبته الحتوف" ؛ قيل: هو مصدر بمعنى " الحتف" ؛ وهو القضاء؛ وفي الصحاح: " الحتف" : الموت؛ يقال: " مات حتف أنفه" ؛ إذا مات بغير قتل؛ ولا ضرب؛ وفي النهاية هو أن يموت على فراشه؛ كأن سقط فمات؛ و" الحتف" : الهلاك؛ وخص الأنف لأنه أراد أن روحه تخرج من أنفه؛ بتتابع نفسه؛ (وهو لا يشعر) ؛ أي: والحال أنه لا يدري؛ ولا يحس بذلك؛ ولا يتوقعه؛ لتمادي غفلته؛ و" الشعور" : الإحساس؛ ومشاعر الإنسان حواسه؛ ومنه: " الشعار" ؛ و" ما شعرت به" ؛ ما فطنت له؛ وما علمته؛ و" ليت شعري" ؛ ما كان منه؛ و" ما يشعركم؟" ؛ وما يدريكم؟ ذكره الزمخشري ؛ فهلاك هذا الدين؛ وسلوك سبيل الناجين الزهد فيها؛ والإعراض عنها؛ والاقتصار على الكفاف؛ قال الغزالي: وإنما كانت الزيادة على قدر الكفاية مهلكة لأن ذلك يدعو إلى المعاصي؛ فإنها تمكن منها؛ [ ص: 119 ] ومن العصمة ألا يقدر؛ ولأنه يدعو إلى التنعم بالمباحات؛ وهو أقل الدرجات؛ فينبت على التنعيم جسده؛ ولا يمكنه للصبر عنه؛ وذلك لا يمكن استدامته إلا بالاستعانة بالخلق والالتجاء إلى الظلمة؛ وهو يدعو إلى النفاق والكذب والرياء والعداوة والبغضاء؛ ولأنه ينهى عن ذكر الله (تعالى)؛ الذي هو أساس السعادة الأخروية؛ انتهى؛ ولهذا كان محط نظر السلف الصالح التجرد المطلق عن علائقها؛ أما الأخذ منها بقدر الكفاية لمن ذكر؛ فلا ضير فيه؛ بل قد يجب؛ بل له أخذ ما زاد على كفايته بقصد صرف الفاضل في وجوه البر؛ إن وثق من نفسه بالوفاء بذلك القصد؛ فمثال المال كحية فيها ترياق نافع ؛ وسم ناقع؛ فإن أصابها من يعرف وجه التحرز عن سمها؛ وطريق استخراج ترياقها النافع؛ كانت عليه نعمة؛ وإن أصابها من لم يعرف ذلك فهي عليه نقمة؛ وهي كبحر تحته صنوف الجواهر؛ فمن كان عارفا بالسباحة وطرق الغوص والتحرز عن مهلكات البحر؛ فقد ظفر بنعمه؛ وإن غاصه جاهل بذلك تورط في المهالك؛ هذا غاية البيان؛ وليس قرية وراء عمان.

(فر؛ عن أنس ) ؛ رمز المصنف لضعفه؛ وذلك لأن فيه من لا يعرف؛ لكن فيه شواهد تصيره حسنا لغيره.



الخدمات العلمية