الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
78 - " أتاني جبريل؛ فبشرني أنه من مات من أمتك؛ لا يشرك بالله شيئا؛ دخل الجنة؛ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟! فقال: وإن زنى وإن سرق " ؛ (ق)؛ عن أبي ذر .

التالي السابق


(أتاني جبريل) ؛ وفي رواية: " عرض لي الظهر" ؛ (فبشرني) ؛ أخبرني بما يسرني؛ بأن قال لي: (من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا) ؛ أي: وشهد بأنك رسوله؛ ولم يذكره اكتفاء بأحد الجزأين عن الآخر؛ لما مر؛ (دخل الجنة) ؛ وإن لم يتب؛ ولم يعف عنه؛ (فقلت: وإن زنى؛ وإن سرق؟! قال: وإن زنى؛ وإن سرق) ؛ وارتكب كل كبيرة؛ واقتحم كل فجور؛ فلا بد من دخوله إياها؛ إما ابتداء؛ إن عفي عنه؛ أو بعد دخوله النار؛ حسبما نطقت به الأخبار الدالة على أنه لا يبقى في النار موحد؛ فالكبائر لا تسلب الإيمان؛ ولا تحبط الطاعة؛ إذ لو كانت محبطة موازنة؛ أو غيرها؛ لزم ألا تبقى لبعض الزناة أو السراق طاعة؛ والقائل بالإحباط يحيل دخول الجنة؛ وبما تقرر آنفا علم أن جواب " إن" ؛ محذوف؛ لدلالة الواو عليه؛ لأنها ترد الكلام على أوله؛ ولو سقطت الواو لكان الزنا والسرقة شرطا في دخول الجنة؛ فالمعنى: " وإن زنى؛ وإن سرق؛ لم يمنعه ذلك من دخولها" ؛ ثم إن في اختلاف هذا الحديث وما قبله؛ زيادة؛ ونقصانا؛ وتقديما؛ وتأخيرا؛ مع اتحاد الصحابي؛ إما لأنه سمعه من المصطفى مرتين كذلك؛ [ ص: 96 ] أو حكاه بلفظه مرة؛ وبمعناه أخرى؛ وسكت عن الخمر في إحدى الروايتين سهوا؛ أو لعروض شاغل.

(تتمة) : سئل شيخ الطائفة الجنيد: هل يسرق العارف؟ قال: لا؛ قيل: فهل يزني؟ فأطرق مليا ثم قال: وكان أمر الله قدرا مقدورا

(تنبيه) : قال بعض المحققين: قد تتخذ البطلة أمثال هذه الأخبار ذريعة إلى طرح التكاليف وإبطال العمل؛ ظنا أن ترك الشرك كاف؛ وهذا يستلزم طي بساط الشريعة؛ وإبطال الحدود؛ وأن الترغيب في الطاعة؛ والترهيب من المعصية؛ لا أثر له؛ فتفضي إلى الانخلاع من الدين؛ وانفكاك قيد الشريعة؛ والخروج عن الضبط؛ والولوج في الخبط؛ وترك الناس سدى؛ هملا؛ وذلك مفض إلى خراب الدنيا؛ والآخرة؛ مع أن قوله في بعض طرق الحديث: " أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا" ؛ يتضمن اشتراط العمل؛ فيجب ضم بعض الأحاديث إلى بعض؛ فإنها كالحديث الواحد؛ فيحمل مطلقها على مقيدها؛ انتهى؛ وهذه قعقعة لا حاجة إليها؛ مع ما قررناه آنفا؛ أن كل من مات مؤمنا دخل الجنة؛ فإن كان تائبا أو سليما من المعاصي؛ دخلها؛ وحرم على النار؛ وإلا فيقطع بدخوله الجنة آخرا؛ وحاله قبل ذلك في خطر المشيئة؛ إن شاء عذبه؛ وإن شاء عفا عنه؛ كما قال النووي : إنه مذهب أهل السنة؛ قال الطيبي: وهو قانون عظيم في الدين؛ وعليه مبنى قواعد الجماعة؛ أن الحسن والقبح شرعيان؛ وأن الله يفعل ما يشاء؛ ويحكم ما يريد.

(ق؛ عن أبي ذر ) ؛ قال: واللفظ للبخاري؛ سببه: كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حرة بالمدينة؛ فاستقبلنا أحدا؛ فقال: " يا أبا ذر ؛ ما يسرني أن عندي مثل هذا ذهبا؛ يمضي علي ثلاث وعندي منه دينار؛ إلا شيء أرصده لدين؛ إلا أن أقول به في عباد الله هكذا؛ وهكذا؛ وهكذا" ؛ عن يمينه؛ وشماله؛ وخلفه؛ ثم قال: " مكانك؛ لا تبرح حتى آتيك" ؛ ثم انطلق في سواد الليل؛ حتى توارى؛ فسمعت صوتا قد ارتفع؛ فتخوفت أن يكون أحد عرض له؛ فأردت أن أتبعه؛ فذكرت قوله: " لا تبرح" ؛ فلم أبرح؛ حتى أتاني؛ فقلت: سمعت صوتا؛ تخوفت منه؛ قال: " وهل سمعته؟" ؛ قلت: نعم؛ قال: " ذاك جبريل أتاني..." ؛ فذكره.



الخدمات العلمية