الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
145 - " اتقوا الدنيا؛ فوالذي نفسي بيده إنها لأسحر من هاروت؛ وماروت " ؛ الحكيم؛ عن عبد الله بن بسر المازني.

التالي السابق


(اتقوا الدنيا) ؛ أي: احذروها؛ فإنها أعدى أعدائكم؛ تطالبكم بحظوظها؛ لتصدكم عن طاعة ربكم؛ بطلب شهواتها؛ وتشغلكم عن خدمة مولاكم؛ بخدمة ذاتها؛ ونفسك لها عليك ظهير؛ وهواك لاتباع مرضاتها مشير؛ وأنت غير قليل التماسك عن شهواتها؛ مسترسل معها؛ سريع الانقياد للذاتها؛ (فوالذي نفسي) ؛ بسكون الفاء؛ (بيده) ؛ بقدرته؛ وإرادته؛ وتدبيره؛ فهو كناية عن تمكنه (تعالى) منها؛ تصرفا؛ وتقلبا؛ كيف يشاء؛ إذ لا جارحة؛ ولا استقرار؛ وهو مؤذن بطلب اليمين في الأمر المهم؛ وكان أكثر قسم المصطفى به؛ لأنه أشرف الأقسام؛ لأن نفسه الشريفة أنفس الخلق؛ ثم زاده تأكيدا بـ " إن" ؛ واللام؛ فقال: (إنها) ؛ أي: الدنيا؛ (لأسحر) ؛ بلام التوكيد؛ أي: أعظم سحرا؛ (من) ؛ سحر (هاروت؛ وماروت) ؛ قال الحراني : هما ملكان؛ جعلا حكمين في الأرض؛ وقال القاضي؛ كالزمخشري : ملكان؛ أنزلا لتعليم السحر؛ ابتلاء من الله (تعالى) للناس؛ وتمييزا بينه وبين المعجزة؛ وقيل: رجلان؛ سميا " ملكين" ؛ باعتبار صلاحهما؛ ومنع صرفهما للعلمية؛ والعجمة؛ وقال الكازروني: ملكان؛ من أعبد الملائكة؛ ركب الله فيهما الشهوة؛ بعدما طعن الملائكة فينا؛ ليظهر عذرنا؛ فعصيا؛ فخيرهما بين عذابي الدنيا؛ والآخرة؛ فاختارا عذاب الدنيا؛ فعذبهما إلى يوم القيامة؛ ويمتحن بها عباده؛ انتهى؛ وإنما كانت أسحر منهما لأنهما ليسا من جنس الآدميين؛ وكل شيء إنما يألف جنسه وينخدع له؛ والآدمي خلق من الدنيا؛ يألف لذاتها؛ وينخدع لشهواتها؛ فلذلك صارت أسحر منهما؛ ولأنهما لا يعلمان السحر حتى يقولا: إنما نحن فتنة؛ فلا تكفر؛ فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه؛ فهما يعلمان السحر؛ ويبينان فتنته؛ والدنيا تعلم سحرها؛ وتكتم فتنتها؛ وشرها؛ وتدعو إلى التحارص عليها؛ والتنافس فيها؛ والجمع لها؛ وهما يعلمان ما يفرق بين المرء وزوجه؛ وهي تعلم ما يفرق بين المرء وربه؛ فشتان بين سحرها؛ وسحرهما؛ كيف وهي تأخذ بالقلوب عن القيام بحق علام الغيوب؛ وعن وعده المطلوب؛ ووعيده المرهوب؟! كيف وهي تسحر العقول؛ وذلك لا يبلغه سحرهما المعقول؟! كيف والسكران بسحرهما يفيق كما يفيق السكران بالرحيق؛ والسكران بسحرها لا يفيق إلا في ظلمة اللحد المضيق المؤذن بعذاب الحريق؛ فالسلامة منها تسليمها لأهلها؛ والإعراض عن فضلها.

(تنبيه) : مر ما يفيد أن السحر إتيان نفس شريرة بخارق؛ عن مزاولة محرم؛ ثم إن اقترن بكفر فكفر؛ وإلا فكبيرة عند الإمام الشافعي ؛ وكفر عند غيره؛ وتعلمه إن لم يكن لذب السحرة عند نشره؛ حرام عند الأكثر؛ وعلى ذلك يحمل كلام الإمام الرازي في تفسيره: اتفق المحققون على أن العلم بالسحر ليس بقبيح؛ ولا محذور؛ ولأن العلم شريف؛ ولعموم: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؛ ولأن السحر لو لم يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة؛ والعلم بكون المعجز معجزا واجب؛ وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب؛ قال: فهذا يقتضي كون العلم به واجبا؛ وما يكون واجبا كيف يكون حراما؛ أو قبيحا؟! انتهى.

( الحكيم) ؛ الترمذي ؛ في النوادر؛ (عن عبد الله بن بسر ) ؛ بضم الموحدة؛ وسكون المهملة؛ ابن صفوان ؛ (المازني) ؛ نزيل حمص؛ صحابي مشهور؛ عاش أربعا وتسعين سنة؛ وتوفي بحمص أيام سليمان بن عبد الملك ؛ وضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده على رأسه؛ ودعا له؛ صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وأبوه وأمه وأخوه عطية؛ وأخته الصماء؛ وهو صحابي صغير؛ آخر من مات من الصحابة بحمص؛ روى البخاري عنه حديثا واحدا في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم؛ أهـ.

قال الزين العراقي: ورواه ابن أبي الدنيا ؛ والبيهقي ؛ في الشعب؛ من رواية أبي الدرداء الرهاوي؛ مرسلا؛ وقصة هاروت؛ وماروت المشهورة وردت من نحو عشرين طريقا؛ بعضها حسن؛ فزعم بطلانها غير [ ص: 140 ] صواب؛ كما بينه الحافظ ابن حجر؛ وقال: من وقف عليها يكاد يقطع بوقوع القصة.



الخدمات العلمية