الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
529 - " إذا تغولت لكم الغيلان؛ فنادوا بالأذان؛ فإن الشيطان إذا سمع الأذان؛ أدبر وله حصاص " ؛ (طس)؛ عن أبي هريرة ؛ (ض).

التالي السابق


(إذا تغولت لكم الغيلان) ؛ أي: ظهرت وتلونت بصور مختلفة؛ قال في الأذكار: " الغيلان" : جنس من الجن؛ والشياطين؛ وهو سحرتهم؛ ومعنى " تغولت" : تلونت وتراءت في صور؛ وقال بعضهم غيره؛ كانت العرب تزعم أنها تتراءى في الفلوات؛ فتتلون في صور شتى؛ فتغولهم؛ أي: تضلهم عن الطريق؛ وتهلكهم؛ وقد نفى ذلك الشارع بقوله: " لا غول" ؛ لكن ليس المراد به نفي وجوده؛ بل إبطال زمن إضلاله؛ فمعنى " لا غول" : أي: لا تستطيع أن تضل أحدا؛ قال القزويني: وقد رأى الغول جمع من الصحابة؛ منهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؛ حين سافر إلى الشام قبل الإسلام؛ فضربه بالسيف؛ ويقال: إنه كخلقة الإنسان؛ لكن رجلاه رجلا حمار؛ (فنادوا بالأذان) ؛ أي: ادفعوا شرها برفع الصوت بذكر الله؛ كذا عند ابن حجر؛ وظاهره أنه ليس المراد بالأذان هنا حقيقته الشرعية بالإتيان بأي ذكر كان؛ وهو غير قويم؛ فقد عدوا من المواطن التي يندب فيها الأذان الشرعي تغول الغيلان؛ وقال في الأذكار: المراد بقوله: " فنادوا بالأذان" : ادفعوا شرها بالأذان؛ فإن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر؛ كما قال؛ (فإن الشيطان) ؛ إبليس؛ على ما درج عليه جمع؛ أو جنس الشيطان؛ وهو كل متمرد من الجن؛ [ ص: 319 ] والإنس؛ لكن المراد هنا شيطان الجن؛ (إذا سمع النداء) ؛ بالأذان؛ (أدبر) ؛ ولى هاربا؛ (وله حصاص) ؛ بمهملات؛ كـ " غراب" ؛ أي: ولى وله شدة عدو؛ وضراط؛ لثقل الأذان عليه؛ كما يضرط الحمار لثقل الحمل؛ واستخفافا بالذكر؛ قال عياض: ويمكن حمله على ظاهره؛ لأنه جسم يصح منه خروج الريح؛ ويحتمل كونه عبارة عن شدة نفاره؛ قال الطيبي: شبه شغل الشيطان نفسه عند سماع الأذان؛ بالصوت الذي غلب على السمع؛ ومنعه من سماع غيره؛ ثم سماه " حصاصا" ؛ أو " ضراطا" ؛ تقبيحا له؛ وزاد في رواية البخاري : " حتى لا يسمع التأذين" ؛ وظاهره أنه يتعمد ذلك؛ لئلا يسمع؛ وفيه ندب رفع الصوت بالأذان؛ تنفيرا للشياطين؛ وإنما كان الشيطان ينفر منه لأنه جامع لعقيدة الإيمان؛ مشتمل على نوعية العقليات والسمعيات؛ لأنه ابتدأ أولا بالذات وما يستحقه من الكمال؛ بقوله: " الله أكبر" ؛ ثم أثبت الوحدانية؛ ونفى ضدها من الشرك؛ ثم أثبت الرسالة؛ ثم دعا إلى الصلاة؛ وجعلها عقب إثبات الرسالة؛ إذ معرفة وجوبها من جهته؛ لا من جهة العقل؛ ثم دعا إلى الفلاح؛ وهو الفوز؛ والبقاء في النعيم الدائم؛ وفيه إشعار بأمور الآخرة؛ من بعث؛ وجزاء؛ وذلك كله متضمن لتأكيد الإيمان؛ ومزيد الإيقان؛ فلذلك نفر منه الشيطان.

(طس)؛ من حديث عدي بن الفضل؛ عن سهيل بن أبي صالح ؛ عن أبيه؛ (عن أبي هريرة ) ؛ قال - أعني الطبراني -: لم يروه عن سهيل إلا عدي ؛ قال ابن حجر: لعله أراد أول الحديث؛ وإلا فباقيه خرجه مسلم وغيره؛ من غير وجه؛ عن سهيل ؛ انتهى؛ وقال الهيتمي: فيه الفضل؛ وهو متروك؛ وذكر الدميري في الحيوان أن النووي ذكر الخبر في الأذكار؛ وصححه؛ قال ابن حجر: ولم أره فيها؛ لا تخريجا؛ ولا تصحيحا؛ وأنى له بالصحة وعدي الذي تفرد به متفق على ضعفه؟!



الخدمات العلمية