الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
، ولا يرضخ لهم : كميت قبل اللقاء وأعمى ، وأعرج ، وأشل ، ومتخلف لحاجة ، إن لم تتعلق بالجيش ، [ ص: 190 ] وضال ببلدنا ، وإن بريح ، بخلاف بلدهم ، ومريض شهد : [ ص: 191 ] كفرس رهيص ، أو مرض بعد أن أشرف على الغنيمة ، وإلا فقولان

التالي السابق


( ولا يرضخ ) بضم المثناة تحت وإعجام الضاد والخاء أي لا يعطى لمن لا يسهم ( له ) شيء من المال موكول تقديره للإمام من الخمس كالنفل ، وشبه في عدم الإسهام وعدم الرضخ فقال ( كميت ) آدمي أو فرس ( قبل اللقاء ) أي القتال فلا يسهم ويرضخ له ( وأعمى وأعرج ) إلا أن يقاتلا راكبين أو راجلين ( وأشل ) كذلك والفرس كذلك وأقطع يدا ورجل ومقعد ويابس شق ، فلا يسهم لهم إن لم يكن بهم منفعة اتفاقا أو كانت على المشهور ( و ) ك ( متخلف ) ببلد الإسلام ( لحاجة إن لم تتعلق بالجيش ) بأن لم يعد عليهم منها نفع ولو تعلقت بالمسلمين فإن عاد عليه أو على أمير الجيش منها نفع أسهم له فالأول كإقامة سوق وحشر وإصلاح طريق { لقسمه صلى الله عليه وسلم لطلحة وسعيد بن زيد وهما بالشام قبل أن يصلا إلى بلد العدو لمصلحة متعلقة بالجيش } . والثاني { كقسمه صلى الله عليه وسلم لعثمان وقد خلفه على ابنته لتجهيزها ودفنها } . [ ص: 190 ]

( و ) ك ( ضال ) أي تائه عن الجيش ( ببلدنا ) ولم يرجع إليه حتى غنموا فلا يسهم له لأنه لم يحصل منه منفعة للجيش من تكثير سواد المسلمين إن ضل بغير ريح بل ( وإن ) رد ( بريح ) والمعتمد أنه يسهم للضال ببلدنا والمردود بريح ، فإن رجع اختيارا فلا يسهم له . قال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه في المدونة فيمن ردتهم الريح إلى بلد الإسلام أنهم يسهم لهم مع أصحابهم الذين وصلوا واغتنموا .

وقال ابن القاسم فيها ولو ضل رجل من العسكر فلم يرجع حتى غنموا فله سهمه ، كقول مالك في الذين ردتهم الريح فمذهب المدونة الإسهام لهما في الصورتين خلاف ما عند المصنف . وقد تعقب ابن عرفة بذلك ظاهر كلام اللخمي ، ولكن تبع المصنف تشهير ابن الحاجب تبعا لابن شاس وهو غير ظاهر لما ذكرنا .

( بخلاف ) ضال ( ببلدهم ) أي الحربيين فيسهم له وكذا يسهم لأسارى مسلمين ظفرنا بهم ، ولو كانوا في الحديد لأنهم إنما دخلوا أولا للقتال وغلبوا عليه قاله أشهب في كتاب محمد .

( و ) بخلاف ( مريض شهد ) أي حضر ابتداء القتال صحيحا ثم مرض واستمر يقاتل ، ولم يمنعه مرضه عن القتال فيسهم له ، فإن لم يشهده فلا يسهم له إلا أن يكون ذا رأي كمقعد أو أعرج أو أشل أو أعمى له رأي ا هـ عب . البناني لفظ ابن الحاجب والمريض بعد الإشراف على الغنيمة يسهم له اتفاقا . وكذا من شهد اللقاء مريضا ا هـ .

وشرح الثانية في التوضيح بقوله وكذا يسهم لمن ابتدأ القتال وهو مريض ولم يزل كذلك إلى أن هزم العدو . ا هـ . وبهذا ينبغي تقرير كلامه هنا كما هو ظاهره ، فيشمل الصور الثلاثة التي جعلها " ز " محل القولين وتكون الصورة التي قرره بها " ز " تبعا [ ص: 191 ] للحط مأخوذة منه بالأحرى والله أعلم . وقوله إلا أن يكون ذا رأي إلخ فيه نظر إذ الذي مر له أنه لا يسهم له على المشهور ولو كانت فيه منفعة ، وشبه في الإسهام فقال ( كفرس رهيص ) أي مريض في باطن حافره من مشيه على حجر أو شبهه كوقرة ; لأنه بصفة الصحيح فيرهب العدو ، وإن لم يصلح لكر عليه ، ولا فرار منه ( أو مرض ) الفرس ، أو الفارس أو الراجل ( بعد أن ) قاتل حتى ( أشرف على الغنيمة ) هذا مستفاد الإسهام له مما قبله بالأولى وذكره ليرتب عليه قوله ( وإلا ) أي وإن لم يمرض بعد الإشراف عليها بأن خرج من بلده مريضا أو مرض قبل دخول أرض العدو أو بعده وقبل القتال ولو بيسير ، واستمر مريضا في الثلاث لكنه قاتل فيها حتى انقضى القتال .

( فقولان ) في الصور الثلاث في الإسهام له نظرا لقتاله وعدمه نظرا إلى مرضه فكان حضوره كعدمه ، هذا على ما يفيده الحط ، وأما على ما يفيده القلشاني من أن مرضه منعه من حضور القتال في الصور الثلاثة ، فالفرق بينها وبين قوله ومريض شهد ظاهر وعلى ما ذكره القلشاني فلا وجه للقول بالإسهام له ، ولا يدخل تحت قوله وإلا من حضر [ ص: 192 ] القتال صحيحا ثم مرض قبل الإشراف على الغنيمة ; لأن الإسهام له فهم من قوله ومريض شهد بالأولى ، ولا يدخل فيه أيضا صور زوال المانع بأن خرج من بلده مريضا ثم صح قبل دخول بلاد الحرب أو بعده ، وقبل القتال أو بعدهما ، وقبل الإشراف فإنه يسهم له فيها اتفاقا ; لأن كلامه في حصول المانع لا في زواله ، فعلم أن التفصيل المذكور جار في مرض الآدمي والفرس ا هـ عب .

البناني قوله هذا مستفاد مما قبله بالأولى إلخ نحوه في الحط وهو غير صواب كما يأتي وقوله وأما على ما يفيده القلشاني إلخ ما أفاده القلشاني نحوه لابن غازي وهو الصواب كما يفيده ما تقدم عن ابن الحاجب والتوضيح . فقوله أو مرض عطف بأو على شهد فهو في موضع صفة لمريض ، ومعناه أنه حضر القتال صحيحا ثم طرأ له مرض أو وجب مغيبه بعد الإشراف على التمام ، وحينئذ فليست هذه أحروية كما تقدم عن الحط ، بل هي أجنبية عن الأولى . ويكون معنى قوله وإلا فقولان وإن لم يشهد المريض القتال ، ولا مرض بعد الإشراف على الغنيمة فقولان كما قرره " غ " فهو في صور الخلاف لم يشهد القتال بل حضر بلد الحرب فقط .

وأما إن شهد القتال مع مرضه فيسهم له في تلك الصور كلها وتدخل أيضا تحت قوله ومريض شهد إلخ . وقوله ، ولا يدخل تحت وإلا إلخ فيه نظر ، بل هذه الصورة داخلة تحت إلا مع الصور الثلاث السابقة ، وتوهمه أن الإسهام في هذه الصورة يفهم بالأولى من الأولى غير صحيح ; لأن هذه لم يشهد فيها القتال بعد مرضه والأولى شهد القتال فيها مريضا نعم لو صح ما قرره " ز " أولا تبعا لل " ح " ، لكان ما ذكره هنا ظاهرا ، لكن تقدم أنه غير صحيح والله الموفق .




الخدمات العلمية