الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفدي بالفيء ، ثم بمال المسلمين ، ثم بماله ، [ ص: 231 ] ورجع بمثل المثلي وقيمة غيره على الملي والمعدم ; [ ص: 232 ] إن لم يقصد صدقة ولم يمكن الخلاص بدونه ; إلا محرما أو زوجا إن عرفه أو عتق عليه ، إلا أن يأمره به ويلتزمه ، وقدم على غيره ،

[ ص: 233 ] ولو في غير ما بيده على العدد ، إن جهلوا قدرهم والقول للأسير في الفداء أو بعضه ، ولو لم يكن بيده .

التالي السابق


( وفدي ) . بضم فكسر من أسلم ورد إلى الكفار من الرهائن والرسل وغيرهم وأولى المسلم الأصلي المأسور عندهم ( بالفيء ) أي مال بيت المال وجوبا على الإمام ، وأما الأسير الذمي فلا يفدى بفيء ولا بمال المسلمين ولا يتعرض له في ماله .

( ثم ) إن لم يمكن فداؤه بالفيء فدي ( بمال المسلمين ) الذين يمكن الأخذ منهم من أهل قطره لا من بعد واجدا . روى أشهب ولو بجميع أموالهم . ابن عرفة ما لم يخش استيلاء العدو عليهم بذلك ( ثم ) إن لم يمكن فداؤه بمال المسلمين فدي ( بماله ) أي الأسير ، وقدم مال المسلمين ليحملهم على الجهاد وتخليصه به بلا مال ، هذه طريقة ابن رشد [ ص: 231 ] وطريقة ابن حارث عن ابن عبدوس عن سحنون تقديم ماله على الفيء ، واختارها اللخمي .

( ورجع ) الفادي المسلم أو المشتري المعين واحدا أو متعددا بغير علم الإمام على المفدي المسلم أو الذمي الحر أو العبد وفداء هذا كجنايته ، فيخير سيده في إسلامه فيه وفدائه ( بمثل المثلي ) بكسر فسكون فيهما يدفع للفادي بمحل الفداء ، فإن تعذر الوصول إليه فقيمته فيه ( وقيمة غيره ) أي المثلي وهو المقوم ، ومثل ما قاله للباجي وابن بشير . وقال ابن عبد السلام الأظهر بالمثل مطلقا لأنه قرض . ابن عرفة الأظهر إن كان الرجوع يقول المفدي افدني وأعطيك الفداء فالمثل مطلقا لأنه قرض ، وإن كان بغيره فقول الباجي لأن المقوم المفدى به لم يثبت له تقرر في ذمة المفدي ولا التزمه قبل صرفه في الفداء ، فصار دفعه كهلاكه .

واستشكل الرجوع بأن كون فدائه واجبا على المسلمين والمفدي كواحد منهم يقتضي عدمه ، كدية قتل الخطأ ، وأيضا لو كان لهم بالرجوع لكان فداؤه بماله الموجود بأرض الإسلام مقدما على مالهم . ولما كان لوجوبه عليهم فائدة . وأجيب بأنه فيما إذا فداه معين عالما أو ظانا أن الإمام لا يفديه بالفيء ولا بما يجمعه من المسلمين أو جاهلا وجوبه على الإمام قاصدا الرجوع وحلف عليه وبحث فيه بأنه يقتضي تقديم مال المفدي على الفيء فلذا قال اللخمي وابن رشد القياس أن لا يتبع المفدي بشيء .

وصلة رجع ( على المليء ) يأخذه منه الآن ( و ) على ( المعدم ) باتباع ذمته . طفي هذا مذهب المدونة . اللخمي القياس أن يأخذ ما افتداه به من بيت المال ، فإن لم يكن فمن جماعة المسلمين وهذا المذهب لأن فداءه كان واجبا على الإمام فيرجع على من وجب عليه . ا هـ . وهذا اختيار له ، فقوله وهذا المذهب أي مقتضاه ، وظاهره ولو كان له مال . وقال ابن رشد القياس إن فدى أسيرا لا مال له بغير أمره فليس له أن يتبعه لأنه يتعين على الإمام وجماعة المسلمين ولكن ظاهر الروايات خلاف هذا وهو بعيد ا هـ . [ ص: 232 ] ومحل رجوع الفادي المعين ( إن لم يقصد ) الفادي بفدائه ( صدقة ) بأن قصد الرجوع أو لم يقصد شيئا والقول له في قصد الصدقة وعدمه إذ هذا لا يعلم إلا منه ( ولم يمكن الخلاص بدونه ) أي القدر الذي فداه به فإن أمكن بدون شيء فلا يرجع عليه بشيء وإن أمكن بأقل مما فداه به فيرجع عليه بقدر ما يمكن خلاصه به فقط ( إلا ) أن يكون المفدى ( محرما ) بفتح الميم والراء للفادي من النسب فقط هذا ظاهر كلامهم ( أو زوجا ) له ولا ينفسخ النكاح لأنه لم يملكه فلا رجوع للفادي عليه ( إن ) كان ( عرفه ) أي الفادي المفدى بالمحرمية أو الزوجية ( أو ) لم يعرفه بالمحرمية و ( عتق ) المفدى ( عليه ) أي الفادي على تقدير ملكه كأصله وفرعه وحاشيته القريبة لأنه لشدة الاتصال يحمل على قصد التبرع فلا يرجع عليه في كل حال ( إلا أن يأمره ) أي المفدى الفادي ( به ) أي الفداء ( ويلتزم ) المفدي الفداء . ابن الحاجب فلا رجوع إلا أن يأمره ملتزما وقرره في التوضيح على ظاهره ، ونسبه لنقل الباجي عن سحنون . ونقل ابن عرفة كلام ابن الحاجب وأقره ، وذكر ابن رشد في هذا خلافا هل لا بد من التزام مع الأمر أو يكفي الأمر وحده ونصه بعد أن ذكر أن الذي يفدي امرأته لا يتبعها ونسبته لمالك وابن القاسم والأخوين رضي الله تعالى عنهم ، إلا أن يكون فداها بأمرها وطلبها فيرجع عليها . قال فضل معناه أنها قالت له أفدني وأعطيك الفداء فيكون من السلف . وظاهر قول ابن حبيب رجوعه عليها بما فداها به بأمرها وإن لم تقل له ذلك خلاف ما ذهب إليه فضل . ا هـ . فبان بهذا أن الواو على بابها ، وأن المصنف مشى على قول فضل .

( وقدم ) بضم القاف وكسر الدال مشددة نائبه ضمير الفادي في رجوعه بالفداء ( على [ ص: 233 ] غيره ) أي الفادي من غرماء المفدي لأن الفداء تعلق برقبته وذمته وبالمال الذي بيده والدين بذمته فقط ، ويقدم فيما بيده بل ( ولو في غير ما بيده ) أي المفدي كماله الذي ببلده وداره وعلى غرمائه ويقسم الفداء ( على العدد ) لرءوس المفديين ( إن جهلوا ) أي الحربيون ( قدرهم ) أي المفديين رفعة وخسة وغنى وفقرا فإن علموه قسم على قدر ما يفدى به كل واحد بحسب عادتهم كثلاثة يفدى أحدهم عادة بعشرة وآخر بعشرين وآخر بخمسة ، فعلى الأول سبعا الفداء ، وعلى الثاني أربعة أسباعه وعلى الثالث سبعه .

( والقول للأسير ) المفدى من معين بقصد الرجوع بيمين سواء أشبه أم لا حيث لم يشهد للفادي على دفع الفداء للحربي ( في ) إنكار أصل ( الفداء ) بأن قال خلصتني بلا مال ( أو ) إنكار ( بعضه ) أي الفداء بأن قال فديتني بعشرة والفادي بأكثر منها إن كان المفدى بيد الفادي . بل ( ولو لم يكن ) المفدى ( في يده ) أي الفادي وفي نسخة ولو كان في يده قال " غ " وهو الصواب لأنه الذي فيه اختلاف ابن القاسم وسحنون رضي الله تعالى عنهما فقال الأول القول للأسير ولو كان في يد الفادي وجعل سحنون القول للفادي إن كان المفدى بيده .




الخدمات العلمية