الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 3964 ) فصل : وإذا غصب حنطة فطحنها ، أو شاة فذبحها وشواها ، أو حديدا فعمله سكاكين أو أواني ، أو خشبة فنجرها بابا أو تابوتا ، أو ثوبا فقطعه وخاطه ، لم يزل ملك صاحبه عنه ، ويأخذه وأرش نقصه إن نقص ، ولا شيء للغاصب في زيادته ، في الصحيح من المذهب . وهذا قول الشافعي .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة في هذه المسائل كلها : ينقطع حق صاحبها عنها ، إلا أن الغاصب لا يجوز له التصرف فيها إلا بالصدقة ، إلا أن يدفع قيمتها فيملكها ويتصرف فيها كيف شاء . وروى محمد بن الحكم ، عن أحمد ما يدل على أن الغاصب يملكها بالقيمة ، إلا أنه قول قديم رجع عنه ، فإن محمدا مات قبل أبي عبد الله بنحو من عشرين سنة .

                                                                                                                                            واحتجوا بما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قوما من الأنصار في دارهم ، فقدموا إليه شاة مشوية فتناول منها لقمة ، فجعل يلوكها ولا يسيغها ، فقال : إن هذه الشاة لتخبرني أنها أخذت بغير وجه حق . فقالوا : نعم يا رسول الله ، طلبنا في السوق فلم نجد ، فأخذنا شاة لبعض جيراننا ، ونحن نرضيهم من ثمنها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أطعموها الأسرى . } رواه أبو داود بنحو من هذا . وهذا يدل على أن حق أصحابها انقطع عنها ، ولولا ذلك لأمر بردها عليهم .

                                                                                                                                            ولنا ، أن عين مال المغصوب منه قائمة ، فلزم ردها إليه ، كما لو ذبح الشاة ولم يشوها ، ولأنه لو فعله بملكه لم يزل عنه ، فإذا فعله بملك غيره لم يزل عنه ، كما لو ذبح الشاة ، أو ضرب النقرة دراهم ، ولأنه لا يزيل الملك إذا كان بغير فعل آدمي ، فلم يزله إذا فعله آدمي ، كالذي ذكرناه ، فأما الخبر فليس بمعروف كما رووه ، وليس في رواية أبي داود : " ونحن نرضيهم من ثمنها " .

                                                                                                                                            فإذا ثبت هذا ، فإنه لا شيء للغاصب بعمله ، سواء زادت العين أو لم تزد . وهذا مذهب الشافعي وذكر أبو الخطاب أن الغاصب يشارك المالك بالزيادة ; لأنها حصلت بمنافعه ، ومنافعه أجريت مجرى الأعيان ، فأشبه ما لو غصب ثوبا فصبغه . والمذهب الأول . ذكره أبو بكر والقاضي ; لأن الغاصب عمل في ملك غيره بغير إذنه ، فلم يستحق لذلك عوضا ، كما لو أغلى زيتا فزادت قيمته ، أو بنى حائطا لغيره ، أو زرع حنطة إنسان في أرضه ، وسائر عمل الغاصب .

                                                                                                                                            فأما صبغ الثوب ، فإن الصبغ عين مال ، لا يزول ملك صاحبه عنه بجعله مع ملك غيره ، وهذا حجة عليه ; لأنه إذا لم يزل ملكه عن صبغه بجعله في ملك غيره ، وجعله كالصفة ، فلأن لا يزول ملك غيره بعمله فيه أولى ، فإن احتج بأن من زرع في أرض غيره يرد عليه نفقته ، قلنا : الزرع ملك للغاصب ; لأنه عين ماله ، ونفقته عليه تزداد به قيمته ، فإذا أخذه مالك الأرض ، احتسب له بما أنفق على ملكه ، وفي مسألتنا عمله في ملك المغصوب منه بغير إذنه ، فكان لاغيا ، على أننا نقول : إنما تجب قيمة الزرع على إحدى الروايتين .

                                                                                                                                            [ ص: 154 ] فأما إن نقصت العين دون القيمة ، رد الموجود وقيمة النقص ، وإن نقصت العين والقيمة ، ضمنهما معا ، كالزيت إذا غلاه . وهكذا القول في كل ما تصرف فيه ، مثل نقرة ضربها دراهم أو حليا ، أو طينا جعله لبنا ، أو غزلا نسجه ، أو ثوبا قصره . وإن جعل فيه شيئا من عين ماله ، مثل أن سمر الرفوف بمسامير من عنده ، فله قلعها ويضمن ما نقصت الرفوف ، وإن كانت المسامير من الخشب المغصوبة ، أو مال المغصوب منه فلا شيء للغاصب ، وليس له قلعها ، إلا أن يأمره المالك ، بذلك ، فيلزمه .

                                                                                                                                            وإن كانت المسامير للغاصب ، فوهبها للمالك ، فهل يجبر على قبول الهبة ؟ على وجهين . وإن استأجر الغاصب على عمل شيء من هذا الذي ذكرناه ، فالأجر عليه . والحكم في زيادته ونقصه ، كما لو ولي ذلك بنفسه ، إلا أن يضمن النقص من شاء منهما ، فلو استأجر قصابا فذبح شاة ، فللمالك أخذها وأرش نقصها ، ويغرم من شاء منهما ، فإن غرم الغاصب ، لم يرجع على أحد إذا لم يعلم القصاب الحال ، وإن ضمن القصاب رجع على الغاصب ، لأنه غره ، وإن علم القصاب أنها مغصوبة فغرمه ، لم يرجع على أحد ; لأنه أتلف مال غيره بغير إذنه عالما بالحال ، وإن ضمن الغاصب ، رجع على القصاب ; لأن التلف حصل منه فاستقر الضمان عليه ، وإن استعان بمن ذبح له ، فهو كما لو استأجره .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية