الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت إن قال رجل لرجل : اقلع لي ضرسي هذا ولك عشرة دراهم فلما قلعه قال له المقلوعة ضرسه : إنما أمرتك بالضرس التي يليها وقد قلعت ضرسا لم آمرك بها أيكون على القالع شيء أم لا قال : لا شيء على القالع ; لأنه قلعه ، والمقلوعة ضرسه يعلم ما يقلع منه .

                                                                                                                                                                                      قلت : فهل يكون للقالع أجره الذي سمى له ؟ قال : نعم ; لأن صاحب الضرس مدع إلا أن يصدقه الحجام فلا يكون عليه شيء . [ ص: 463 ] قلت : أتحفظه عن مالك ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لا . وقال غيره : الحجام مدع .

                                                                                                                                                                                      قلت لابن القاسم : أرأيت رجلا لت سويقا لي بسمن فقال : أمرتني أن ألته بعشرة دراهم وقلت له : لم آمرك أن تلته بشيء ؟ قال : يقال : لصاحب السويق : إن شئت فأغرم له ما قال وخذ السويق ملتوتا ، فإن أبى قيل للذي لته : اغرم له سويقا مثل سويقه غير ملتوت وخذ هذا الملتوت ، فإن أبى لم يكن له شيء ويسلم السويق بلتاته إلى ربه . وقال غيره : إن أبى أن يعطيه رب السويق ما لته به كان له على اللتات أن يغرم له مثل سويقه غير ملتوت .

                                                                                                                                                                                      قلت لابن القاسم : ولم لا تجعلهما شريكين إن أبيا ما دعوتهما إليه ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لا يكونان شريكين ; لأن الطعام لا شركة فيه ; لأنه يوجد مثله .

                                                                                                                                                                                      قلت : وكذا قول مالك ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لم أسمعه من مالك وهذا رأيي .

                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت إذا دفعت سويقا إلى لتات ليلته لي بخمسة دراهم فلته فقال صاحب السمن : أمرتني أن ألته بعشرة دراهم وقد لتته بعشرة دراهم ، وقال صاحب السويق : ما أمرتك إلا بخمسة دراهم ولم تلته إلا بخمسة دراهم ؟ قال : ينظر في ذلك السويق فإن كان يشبه أن يكون القول قول صاحب السمن ويعلم أهل المعرفة إن لتات ذلك السويق يدخله من السمن بعشرة دراهم ، فالقول قول صاحب السمن اللتات ; لأنه قد ائتمنه عليه وأقر أنه أمره بالعمل فهو مدع عليه يريد أن يضمنه ، فعليه البينة وعلى اللتات اليمين .

                                                                                                                                                                                      قلت : ولم جعلت القول قوله في العشرة الدراهم كلها ورب السويق إنما يقول : إنما أمرته بخمسة دراهم وقد تعدى علي في الخمسة الأخرى ؟

                                                                                                                                                                                      قال : قال مالك : في الصباغ إذا صبغ الثوب بعشرة دراهم عصفرا فقال رب الثوب : لم آمرك أن تجعل فيه إلا بخمسة دراهم عصفرا وقال الصباغ : أمرتني أن أجعل فيه بعشرة دراهم عصفرا إن القول قول الصباغ إذا كان ما في الثوب من العصفر يشبه أن يكون بعشرة دراهم مع يمين الصباغ أن رب الثوب أمره أن يجعل فيه بعشرة دراهم ويجبر رب الثوب على أن يغرم فيه العشرة دراهم كلها للصباغ ; لأنه لما دفع إليه الثوب على أن يصبغ بالإجارة فقد ائتمنه على الصبغ بالإجارة ، فالقول قول الصباغ في الصبغ والإجارة إلا أن يأتي من ذلك بأمر يستدل به على كذبه فيكون القول قول رب الثوب بحال ما وصفت لك ، فإن أتيا جميعا بما لا يشبه حملا على إجارة مثله وعمل مثله ، فكذلك مسألتك في اللتات إذا أقر أنه أمره [ ص: 464 ] أن يلته بدراهم ، فالقول قول صاحب السمن بمنزلة ما وصفت لك في الصباغ ; لأن صاحب السويق قد ائتمنه على اللتات بالدراهم ، فالقول قول اللتات فيما أدخل في السويق من السمن والقول قول اللتات أنه أمره بكذا وكذا درهما ; لأنه قد ائتمنه على ذلك إلا أن يأتي بأمر يستدل به على كذبه . قال : وهذا إذا دفع إليه السويق وغاب عليه اللتات فأما إذا لم يدفع السويق إليه حتى يغيب عليه ، فالقول قول صاحب السويق ; لأن صاحب السويق لم يأتمنه وإنما هو مشتر منه يقول : لم أشتر منك إلا بخمسة دراهم ولا يكون لصاحب السمن أكثر مما يقوله به ، وصاحب السمن هاهنا مدع فالقول قول صاحب السويق .

                                                                                                                                                                                      قلت : فإن نظر أهل المعرفة إلى ذلك السويق فقالوا : هذا السمن الذي لت به هذا السويق لا يكون بأقل من عشرة دراهم أيكون القول قول صاحب السمن ؟

                                                                                                                                                                                      قال : إن أقر صاحب السويق أن جميع ما في هذا السويق من اللتات هو من السمن الذي اشترى من هذا اللتات فالقول قول اللتات ; لأن صاحب السويق قد تبين كذبه ، فإن قال صاحب السويق : قد كان لي فيه لتات قبل أن يلته هذا السمان فالقول قول صاحب السويق ; لأنه لم يغب عليه اللتات .

                                                                                                                                                                                      قلت : أرأيت إن دفع إليه السويق وغاب عليه رب السويق فقال رب السويق : لم آمرك أن تلته إلا بخمسة دراهم ولم تجعل فيه إلا بخمسة دراهم سمنا ، وقال اللتات : أمرتني بعشرة وقد جعلت فيه بعشرة دراهم سمنا فنظر أهل المعرفة إليه وقالوا فيه بعشرة دراهم سمنا ، وقال رب السويق : قد كان لي فيه لتات قبل أن يلته صاحب السمن أيكون القول قوله ؟ قال : لا يكون القول قوله ، والقول قول صاحب السمن ، وكذلك الصباغ إذا صبغ الثوب فاختلفا مثل ما وصفت لك فكان يشبه ما في الثوب من الصبغ ما قال الصباغ ، فقال رب الثوب : إنه قد كان لي فيه صبغ قبل أن أدفعه إلى الصباغ أن القول قول الصباغ ، ولا يلتفت إلى قول رب الثوب أنه قد كان لي فيه صبغ قبل أن أدفعه إلى الصباغ مع يمين الصباغ ; لأن الصباغ واللتات جميعا مؤتمنان وإنما أقرا بأنهما قبضا السويق والثوب ولم يقرا بأنهما قبضا صبغا ولا لتاتا ، والسمن والصباغ واللتات في أيديهما يزعمان أنه لهما فالقول قولهما : أنه لهما ، والقول قولهما في الإجارة في الصبغ والسمن إذا كان يشبه ما قالا ; لأنهما مؤتمنان .

                                                                                                                                                                                      قلت : وهذا قول مالك ؟

                                                                                                                                                                                      قال : لم أسمعه منه وهذا رأيي .

                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية