الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( فأما الأعيان المضمونة كالعواري ، والغصوب ، والمقبوض على وجه السوم فيصح ضمانها ) . هذا الصحيح من المذهب . وعليه الأصحاب . وعنه لا يصح ضمانها .

تنبيه : أفادنا المصنف رحمه الله أن المقبوض على وجه السوم من ضمان القابض ، وأن ضمانه يصح . والأصحاب رحمهم الله ينكرون مسألة ضمان المقبوض على وجه السوم . في فصل " من باع مكيلا أو موزونا " ويذكرونها أيضا في أحكام القبض . ويذكرون مسألة الضامن هنا ، ومسألة صحة ضمان الضامن للمقبوض على وجه السوم مترتبة على ضمانه بقبضه . واعلم أنه قد ورد عن الإمام أحمد رحمه الله في ضمان المقبوض على وجه السوم نصوص . فنقل حرب ، وأبو طالب ، وغيرهما : ضمان المقبوض على وجه السوم . ونقل ابن منصور وغيره : أنه من ضمان المالك كالرهن وما يقبضه الأجير . ونقل حنبل : إذا ضاع من المشتري ولم يقطع ثمنه ، أو قطع ثمنه : لزمه . ونقل حرب وغيره فيمن قال : بعني هذا . فقال : خذه بما شئت ، فأخذه . فمات بيده قال : هو من مال بائعه . لأنه ملكه حتى يقطع ثمنه . ونقل ابن مشيش فيمن قال : بعنيه . فقال : خذه بما شئت . فأخذه فمات بيده يضمنه ربه . هذا بعد لم يملكه . [ ص: 201 ] قال في المجد : هذا يدل على أنه أمانة ، وأنه يخرج مثله في بيع خيار . على قولنا " لا يملكه " . وقال : تضمينه منافعه . كزيادة ، وأولى . انتهى .

فهذه نصوصه في هذه المسألة . قال في الفروع : ذكر الأصحاب في ضمانه روايتين . قال ابن رجب في قواعده : فمن الأصحاب من حكى في ضمانه روايتين . سواء أخذ بتقدير الثمن أو بدونه . وهي طريقة القاضي ، وابن عقيل . وصحح الضمان . لأنه مقبوض على وجه البدل والعوض . فهو كمقبوض بعقد فاسد . انتهى .

قلت : ذكر الأصحاب في المقبوض على وجه السوم ثلاث صور : الأولى : أن يساوم إنسانا في ثوب أو نحوه ، ويقطع ثمنه ، ثم يقبضه ليريه أهله . فإن رضوه وإلا رده . فيتلف . ففي هذه الصورة : يضمن إن صح بيع المعاطاة . والمذهب : صحة بيع المعاطاة . وجزم بذلك في المستوعب ، والرعايتين ، والحاويين ; والفروع ، والفائق ، وغيرهم . قال ابن أبي موسى : يضمنه بغير خلاف . قال ابن رجب في قواعده : وهذا يدل على أنه يجري فيه الخلاف إذا قلنا : إنه لم ينعقد البيع بذلك . وفي كلام الإمام أحمد رحمه الله إيماء إلى ذلك . انتهى .

الثانية : لو ساومه ، وأخذه ليريه أهله ، إن رضوه . وإلا رده من غير قطع ثمنه ، فيتلف . ففي ضمانه روايتان . وأطلقهما في الرعايتين ، والحاويين ; والفائق ، والمستوعب .

إحداهما : يضمنه القابض . وهو المذهب . وهو ظاهر كلام المصنف هنا . وجزم به في الوجيز في هذا الباب . قال ابن أبي موسى : فهو مضمون بغير خلاف . نقل عن الإمام أحمد : هو من ضمان قابضه ، كالعارية . [ ص: 202 ] والرواية الثانية : لا يضمنه . قال في الحاويين : نقل ابن منصور وغيره : هو من ضمان المالك . كالرهن ، وما يقبضه الأجير . الثالثة : لو أخذه بإذن ربه ليريه أهله . إن رضوه اشتراه وإلا رده ، فتلف بلا تفريط : لم يضمن . قال ابن أبي موسى : هذا أظهر عنه . وقدمه في الرعايتين ، والمستوعب ، والحاويين . قال في الفائق : فلا ضمان في أظهر الروايتين . وعنه يضمنه بقيمته .

فائدة : المقبوض في الإجارة على وجه السوم : حكمه حكم المقبوض على وجه السوم في البيع . ذكره في الانتصار . واقتصر عليه في الفروع . وقال : وولد المقبوض على وجه السوم : كهو ، لا ولد جانية ، وضامنة ، وشاهدة ، وموصى بها ، وحق جائز ، وضمانه . وفيه في الانتصار : إن أذن لأمته فيه سرى . وفي طريقة بعض الأصحاب : ولد موصى بعتقها ، لعدم تعلق الحكم بها . وإنما المخاطب الموصى إليه . انتهى .

وفي ذلك بعض مسائل ما أعلم صورتها . منها : قوله " وحق جائز " . قال في القاعدة الثانية والثمانين : منها : الشاهدة ، والضامنة ، والكفيلة ، لا يتعلق بأولادهن شيء . ذكره القاضي في المجرد ، وابن عقيل . واختاره القاضي في خلافه : أن ولد الضامنة يتبعها ، ويباع معها كولد المرهونة . وضعفه ابن عقيل في نظرياته . وقال في القاعدة المذكورة : الأمة الجانية لا يتعلق بأولادها وأكسابها شيء [ ص: 203 ] وقال في القاعدة المذكورة : إذا ولدت المقبوضة على وجه السوم في يد القابض فقال القاضي ، وابن عقيل : حكمه حكم أصله . قال ابن رجب : ويمكن أن يخرج فيه وجه آخر : أنه ليس بمضمون كولد العارية . ويأتي في آخر باب العارية : حكم ولد المعارة ، والمؤجرة ، وولد الوديعة . ويأتي حكم ولد المدبرة والمكاتبة في بابيهما .

التالي السابق


الخدمات العلمية