الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

حاشية الدسوقي على الشرح الكبير

الدسوقي - محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي

صفحة جزء
( و ) إلى ( فك وصي ومقدم ) من قاض والحاصل أن ذا الأب لا يحتاج إلى فك من أبيه بخلاف ذي الوصي والمقدم فيحتاج إليه ولا يحتاج الفك منهما إلى إذن القاضي وصورة الفك أن يقول للعدول اشهدوا إني فككت الحجر عن فلان محجوري وأطلقت له التصرف وملكت له أمره لما قام عندي من رشده وحفظه لماله وإنما احتاج ذو الوصي إلى الفك بخلاف ذي الأب مع أنه الأصل [ ص: 297 ] لأن الأب لما أدخل ولده في ولاية الوصي صار بمنزلة ما لو حجر عليه وهو إذا حجر عليه صار لا ينتقل إلا بإطلاقه وكذا يقال في المقدم فإن مات الوصي قبل الفك ولم يوص عليه فأفعاله بعد ذلك على الحجر ولا بد من فك حاكم ولا يقال صار مهملا يأتي فيه الخلاف الآتي بين مالك وابن القاسم ; لأنه محجور عليه وقول المصنف إلى حفظ إلخ متعلق بقوله لبلوغه وإلى بمعنى مع وفيه إشعار بأن اليتيم المهمل يخرج من الحجر بالبلوغ وحذف المصنف لفظ بعده من هنا لدلالة الأول عليه وأخرج من قوله وللولي رد تصرف مميز قوله ( إلا كدرهم لعيشه ) وعيش ولده وأم ولده ورقيقه من لحم وبقل وخبز وغسل ثياب وما يحلق به رأسه وأجرة حمام بالمعروف فلا يحجر عليه فيه ولا يرده ; لأنه من ضرورات المعاش إلا إذا كان لا يحسن التصرف فيه أيضا ( لإطلاقه ) بالجر عطف على تصرف أي فلا يرد بل يلزمه ( واستلحاق نسب ونفيه ) أي النسب بلعان فلا يرد ( وعتق مستولدته ) وتبعها مالها ولو كثر على الأرجح ( وقصاص ) لجناية منه على غيره في نفس أو جرح ( ونفيه ) أي القصاص أي إسقاطه بالعفو عن جان عليه أو على وليه عمدا وأما الخطأ فليس له العفو ; لأنه مال ( وإقرار بعقوبة ) كقوله قطعت يد زيد أو قذفته ( وتصرفه ) أي السفيه الذكر البالغ المهمل المحقق السفه ( قبل الحجر ) عليه محمول ( على الإجازة ) فلا يرد ولو تصرف بغير عوض كعتق ( عند مالك ) وكبراء أصحابه كابن كنانة وابن نافع وهو الراجح ; لأن العلة في رد تصرفه الحجر ولم يوجد ( لا عند [ ص: 298 ] الإمام عبد الرحمن بن القاسم ) ; لأن العلة السفه وهو موجود والمراد بالمهمل من لا ولي له ومفهوم قولنا : الذكر البالغ أن الصبي والأنثى ترد تصرفاتهما ومفهوم محقق السفه أن مجهوله ماض تصرفه اتفاقا ( و ) ينبني ( عليهما ) أي على القولين المتقدمين ( العكس في تصرفه إذا رشد ) بحفظ المال ( بعده ) أي بعد الحجر عليه وقبل الحكم بفكه فعلى قول مالك لا يجوز ولا يمضي تصرفه لوجود العلة عنده وهو الحجر وعند ابن القاسم يمضي لانتفاء العلة عنده وهي السفه ( وزيد في الأنثى ) المحجورة على ما تقدم من حفظ المال في ذات الأب وفك الوصي والمقدم ( دخول زوج ) بها ( وشهادة العدول ) اثنين فأكثر ( على صلاح حالها ) أي حسن تصرفها فإن لم يدخل فهي على الحجر ولو شهد برشدها ومجرد الدخول كاف في ذات الأب ( ولو جدد أبوها حجرا ) عليها ولا عبرة بتجديده ( على الأرجح ) صوابه على الأظهر ومع ذلك فابن رشد لم يرتب هذا على القول بالشهادة على صلاح حالها بعد الدخول بل على مقابله وهو أنه لا ينفك عنها الحجر إلا بعد مضي سنة من الدخول وقيل ستة أعوام وقيل سبعة فإذا مضى ما ذكر انفك عنها الحجر ولو كان أبوها جدد عليها حجرا بعد الدخول وقبل مضي المدة المحددة بلا احتياج إلى فك منه ولا يقبل منه أنها سفيهة إلا إذا ثبت ذلك وأما ذات الوصي والمقدم فلا بد من فك بعد الدخول كما هو الموضوع إذ الموضوع زيادة أمرين على ما تقدم الدخول والشهادة المذكورة أو مضي عام أو أكثر على ما تقدم وأما المهملة فأفعالها مردودة حتى يمضي لها عام بعد الدخول وليست داخلة في كلام المصنف فليحفظ هذا المقام فكثيرا ما يقع السؤال في تصرفات النساء بعد الدخول وكثيرا ما يقول المفتي إن كانت حسنة التصرف فأفعالها ماضية وإلا فلا وهو خطأ بل لا بد من الشروط المتقدمة وذكر ما هو كالاستثناء من قوله وزيد في الأنثى إلخ فقال ( وللأب ترشيدها قبل دخولها ) إذا بلغت [ ص: 299 ] وكذا بعده ( كالوصي ) لكن بعده لا قبله ( ولو لم يعرف رشدها ) من غيرهما وظاهره أن تصرفها ماض ولا يرد كما أنه لا يجوز تزويجها إلا بإذنها كما مر في النكاح ( وفي مقدم القاضي خلاف ) هل له ترشيدها بعد الدخول والراجح لا فلو قال وللأب ترشيدها مطلقا ولو لم يعلم رشدها كالوصي بعده لا المقدم لطابق المعتمد بسهولة

التالي السابق


( قوله مع أنه ) أي الأب الأصل أي والوصي فرع أي ومقتضاه أن يكون حجر الأب أقوى من حجر الوصي وحينئذ [ ص: 297 ] فيحتاج للفك بالأولى من حجر الوصي .

( قوله : لأن الأب لما أدخل إلخ ) حاصل هذا الجواب أن حجر الأب لما كان حجر أصالة من غير جعل ولا إدخال أحد كان للولد أن يخرج منه من غير أن يخرجه أحد وحجر الوصي بالجعل والإدخال فلا يخرج منه إلا بإخراج الوصي ألا ترى أن الولد إذا حجر عليه أبوه للسفه قبل البلوغ أو بعده بالقرب منه بأن قال الأب اشهدوا أني حجرت على ابني فإن الولد لا يزال باقيا في حجره ولو صار يحسن التصرف في المال ولا ينفك الحجر عنه إلا إذا قال أبوه فككت الحجر لا عنه أو يحكم حاكم بإطلاقه .

( قوله ما لو حجر عليه ) أي لسفه بأن قال اشهدوا أني حجرت على ولدي وهل له الحجر عليه للسفه بعد البلوغ أو ولو قبله خلاف ذكره شيخنا في حاشيته وقوله لا ينتقل أي ذلك المحجور عليه من الحجر إلا بإطلاقه وهذا أقوى طريقتين في المسألة وإنما يحجر عليه الأب لسفهه بعد بلوغه إذا كان بقربه كالعام فإن زاد فلا بد من حكم الحاكم بالحجر انظر بن .

( قوله : وكذا يقال في المقدم ) أي أنه لما أدخل الولد الحاكم الذي هو بمنزلة الأب في ولايته صار بمنزلة من حجر عليه الحاكم ومن حجر عليه الحاكم لا ينتقل من الحجر إلا بإطلاقه .

( قوله فأفعاله بعد ذلك على الحجر ) أي وحينئذ فتصرفه بعد موت الوصي كتصرفه قبل موته قال ح وهذا هو الذي جرى به العمل وذكره البرزلي أيضا .

( قوله : لأنه ) أي من مات وصيه قبل فكه الحجر عنه محجور عليه والخلاف الآتي موضوعه السفيه المهمل .

( قوله وإلى بمعنى مع ) أي فالغاية هنا منضمة للغاية السابقة فيكون غاية الحجر مجموع الغايتين .

( قوله : بأن اليتيم المهمل يخرج من الحجر ) أي حجر الصغر وهذا لا ينافي أنه إن طرأ له سفه حين البلوغ فإنه يحجر عليه وقوله بالبلوغ أي إذا كان ذكرا وأما الأنثى فسيأتي أنها لا تخرج من الحجر إلا إذا عنست أو مضى لها عام بعد البناء بها .

( قوله إلا كدرهم ) أي إلا تصرفه بكدرهم فليس للولي رده بل يكون ماضيا ولا يحجر عليه فيه وانظر لو وهب له مال بشرط أن يتصرف هو فيه هل يعمل بذلك الشرط أو لا .

وفي بن أن الهبة صحيحة والشرط باطل لوجوب حفظ المال .

( قوله : لإطلاقه ) هذا إخراج لما يخص السفيه البالغ .

( قوله : واستلحاق نسب ) أي كاستلحاقه لولد سواء كان لاعن فيه أو لا ( قوله وتبعها مالها ) أي ما لم يكن استثناه حين العتق وإلا لم يتبعها .

( قوله : على غيره ) أي فليس للولي أن يرد ذلك ويدفعه عنه ( قوله بالعفو عن جان ) فإذا جنى شخص جناية عمدا على محجور عليه أو على ولي ذلك المحجور فليس لوليه رد عفوه عنه بل يمضي ذلك العفو .

( قوله : فليس له العفو ) لأنه مال فلو عفا عنه كان للولي رده وله أيضا رده إن رشد كما مر .

( قوله وتصرفه قبل الحجر ) أي سواء كان سفهه أصليا غير طارئ أو طرأ بعد أن بلغ رشيدا فالخلاف المذكور جار في المسألتين كما قال ابن رشد والراجح منه القول الأول خلافا لعبق حيث جعل موضوع الخلاف المذكور الصورة الأولى وجعل في الثانية قولين على حد سواء ونص كلام ابن رشد في الأسمعة وأما اليتيم الذي لم يوص به أبوه لأحد ولا أقام السلطان عليه وليا ولا ناظرا ففي ذلك أربعة أقوال أحدها أن أفعاله كلها بعد البلوغ جائزة نافذة رشيدا كان أو سفيها معلنا بالسفه أو غير معلن اتصل سفهه من حين بلوغه أو سفه بعد حصول الرشد منه من غير تفصيل في شيء من ذلك وهو قول مالك وكبراء أصحابه ثم قال الرابع أن ينظر إلى حاله يوم بيعه وابتياعه وما قضى به في ماله فإن كان رشيدا في أحواله جازت أفعاله كلها وإن كان سفيها لم يجز منها شيء من غير تفصيل بين أن يتصل سفهه أو لا يتصل وهو قول ابن القاسم واتفق جميعهم أن أفعاله جائزة لم يرد منها شيء إذا جهلت حالته ولم يعلم برشد ولا سفه وانظر بقية [ ص: 298 ] الأقوال في ح ا هـ بن .

( قوله : عبد الرحمن بن القاسم ) أي المصري تلميذ الإمام مالك لا المدني شيخ الإمام .

( قوله : أن الصبي والأنثى ) أي المهملين وقوله ترد تصرفاهما أي اتفاقا إلى أن يبلغ الصبي وإلى أن تعنس الأنثى وتقعد عن المحيض أو تمضي سنة بعد دخول الزوج بها .

( قوله : وزيد في الأنثى المحجورة ) أي ذات الأب والوصي والمقدم أي زيد في خروج الأنثى البكر من حجر الأولياء الثلاثة شرطان دخول الزوج بها وشهادة العدول على صلاح حالها وعلى هذا فذات الأب لا ينفك الحجر عنها إلا بأمور أربعة بلوغها وحسن تصرفها وشهادة العدول بذلك ودخول الزوج بها وأما ذات الوصي والمقدم فلا ينفك الحجر عنها إلا بأمور خمسة البلوغ وحسن تصرفها وشهادة البينة بذلك ودخول زوج بها وفك الوصي أو المقدم فإن لم يفكا الحجر عنها كان تصرفها مردودا ولو عنست أو دخل بها الزوج وطالت إقامتها عنده .

( قوله : من حفظ المال ) أي بعد بلوغها .

( قوله : وفك الوصي والمقدم ) أي بعد البلوغ .

( قوله : وشهادة العدول على صلاح حالها ) أي شهادتهم بذلك بعد الدخول ( قوله ومجرد الدخول كاف في ذات الأب ) أي في فك الحجر عنها يعني مع الشهادة برشدها ولا يحتاج لفك من الأب ولا لمضي مدة قدرها سنة أو أكثر على ما قيل وقوله ومجرد إلخ دخول على كلام المصنف .

( قوله : لم يرتب هذا على القول بالشهادة ) أي على القول بخروجها من الحجر بالشهادة على صلاح حالها بعد الدخول .

( قوله : لا ينفك عنها الحجر إلا بعد مضي سنة من الدخول ) أي الشهادة على صلاح حالها بعدها فلو قال المصنف وزيد في الأنثى مضي سنة بعد الدخول وشهادة العدول بصلاح حالها لكان ماشيا على ما به العمل ويكون قوله بعد ولو جدد أبوها حجرا على الأظهر واقعا في محله .

( قوله : ولا يقبل منه أنها سفيهة ) أي دعواه أنها سفيهة أي دعواه أنه إنما جدد الحجر لسفهها فلا ينفك الحجر عنها إلا إذا فكه ( قوله فلا بد من فك بعد الدخول ) هذا هو المتعين لما ذكره ابن رشد في المقدمات ونقله ح والتوضيح من أن المشهور المعمول به في المذهب أن ذات الوصي أو المقدم لا تخرج من الولاية ما لم تطلق من الحجر وإن عنست أو دخل بها الزوج وطال زمانها وحسن حالها والقول بأنها كذات الأب لا يتوقف فك الحجر عنها على إطلاقها لابن الماجشون .

( قوله : الدخول ) أي مجرد الدخول على المعتمد والشهادة المذكورة .

( قوله : أو مضي عام ) أي بعد الدخول وقوله أو أكثر أي ستة أعوام أو سبعة وهذا على مقابل المعتمد .

( قوله : فأفعالها مردودة ) أي اتفاقا حيث علم سفهها فإن علم رشدها ففي بن مضي أفعالها وفي عج عن الناصر ردها حين ينفك الحجر عنها بمضي سنة بعد الدخول بها أو تعنس وتقعد عن المحيض .

( قوله : وليست داخلة في كلام المصنف ) أي لأن المصنف قال وزيد أي في الأنثى المحجورة على ما سبق في الذكر المحجور عليه وهو حفظ مال ذي الأب وفك وصي ومقدم .

( قوله : وللأب ترشيدها ) أي بأن يقول لها رشدتك ورفعت الحجر عنك فإذا قال لها ذلك ارتفع الحجر عنها وصارت تصرفاتها ماضية قال لها ذلك قبل دخولها أو بعده شهدت العدول بصلاح حالها أو لا فمحل [ ص: 299 ] توقف فك حجر ذات الأب على الأمور الأربعة السابقة إذا لم يرشدها أبوها وكذا يقال في ذات الوصي .

( قوله : وكذا بعده ) أي وكذا له ترشيدها بعد الدخول وبمجرد ترشيدها انفك الحجر عنها .

( قوله : كالوصي ) اعلم أن الوصي قيل إنه كالأب فله أن يرشد البكر قبل الدخول وبعده وقيل ليس له ذلك حتى يدخل بها زوجها وعلى كل فهل الوصي مصدق في ذلك وإن لم تعرف البينة رشدها وبه قيل أو ليس له ذلك إلا بعد ثبوت رشدها وقاله ابن القاسم في سماع أصبغ ونحوه لعبد الوهاب والمعتمد من هذه الأقوال أنه ليس له ترشيدها إلا بعد الدخول فإذا دخلت كان له ترشيدها ولو لم يعلم ترشيدها من غيره وهو الذي جرى به العمل انظر بن .

( قوله : من غيرهما ) أي من غير الأب والوصي وهذا ظاهر في أن قول المصنف ولو لم يعرف رشدها راجع للمسألتين ونحوه لتت واعترضه طفى فقال الصواب أنه خاص بالثانية إذ هي التي فيها الخلاف المشار له بلو وأما الأولى فلا خلاف فيها وبهذا قرر ح انظر بن .

( قوله : وظاهره أن تصرفها ) أي تصرف المرشدة التي رشدها أبوها قبل الدخول ماض أي وهو كذلك خلافا لخش وعبق حيث قالا برده وإن كانت لا تزوج إلا برضاها قال بن وهو خروج عن المذهب لأن الترشيد لا يتبعض .

( قوله : والراجح لا ) أي والراجح أن مقدم القاضي ليس له ترشيدها بعد الدخول بل كذا قبله وهذا إذا لم يعلم رشدها بالبينة وإلا كان له ترشيدها .

والحاصل أن معلومة الرشد يجوز ترشيدها والحاصل أن معلومة الرشد يجوز ترشيدها مطلقا قبل الدخول وبعده لكل من الأب والوصي والمقدم ومجهولة الرشد يجوز للأب ترشيدها قبل الدخول وبعده وللوصي بعد الدخول لا قبله ولا يجوز للمقدم ترشيدها لا قبل الدخول ولا بعده ومعلومة السفه ترشيدها لغو مطلقا




الخدمات العلمية