الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولما أنهى الكلام على شركة المفاوضة أتبعها بشركة العنان فقال .

[ درس ] ( وإن اشترطا نفي الاستبداد فعنان ) أي فهي شركة عنان أي تسمى بذلك من عنان الدابة بالكسر وهو ما تقاد به كأن كل واحد منهما أخذ بعنان صاحبه لا يطلقه يتصرف حيث شاء ولذا لو تصرف واحد منهما بدون إذن الآخر كان له رده ، وأما لودخلا على أن لأحدهما التصرف المطلق دون الآخر هل تكون مفاوضة فيمن أطلق له وعنانا فيمن قيد عليه أو فاسدة واستظهر ; لأن الشركة يقتصر فيها على ما جاء فيها ولأن هذه فيها تفاوت في العمل ( وجاز لذي طير ) ذكر ( وذي طيرة ) مما يشترك في الحضن كحمام لا دجاج وإوز ولا غير طير كحمر وخيل ورقيق ( أن ينفقا على الشركة في الفراخ ) الحاصلة بينهما مناصفة لا في البيض ونفقة كل على ربه ; لأنه على ملكه إلا أن يتبرع أحدهما بها .

( و ) وإن قال شخص لآخر ( اشتر ) كذا ( ولي ولك ) والثمن بيننا فاشتراها ( فوكالة ) في الشراء فقط في النصف الذي اشتراه للآمر فيطالبه بثمنه ولا يبيعه إلا بإذنه وقوله فوكالة أي وشركة وإنما سكت عن الشركة ; لأنها معلومة في المقام ومن قوله لي ولك ، وأما الوكالة فتخفى فلذا نص عليها ( وجاز ) لرجل أن يقول لآخر اشتر لي ولك ( وانقد ) ما يخصني من الثمن ( عني ) ; لأنه معروف صنعه معه وهو سلفه له مع تولي الشراء عنه ومحل الجواز ( إن لم يقل ) السائل ( و ) أنا ( أبيعها لك ) أي عنك أي أنا أتولى بيعها عنك ، فإن قال ذلك منع ; لأنه سلف جر نفعا وكانت السلعة بينهما [ ص: 360 ] وليس عليه البيع ، فإن باع فله جعل مثله ( وليس له ) أي للمشتري ( حبسها ) أي السلعة في نظير ما نقده عن الآمر ; لأنه سلف مجرد عن الشرط فليس فيه إلا المطالبة ( إلا أن يقول ) الآمر انقد عني ( واحبسها ) عندك حتى أوفيك ( فكالرهن ) في كونه أحق بها وفي الضمان أي يكون له حبسها وعليه ضمانها ضمان الرهن وله حبسها أيضا إن كان الآمر ممن يخشى لدده ولما ذكر ما إذا كان المشتري مسلفا ذكر ما إذا كان المسلف غيره فقال

التالي السابق


( قوله ، وإن شرطا ) أي ، وإن شرط كل واحد منهما على الآخر نفي الاستقلال بالبيع والشراء والأخذ والإعطاء والكراء والاكتراء وغير ذلك مما يحتاج إليه في التجارة ( قوله وجاز ) أي ابتداء كما هو صريح ابن يونس وظاهر النوادر عن العتبية والموازية عن ابن القاسم عن مالك ونقل ابن غازي أن ظاهر كلام ابن رشد أن هذا بعد الوقوع والنزول لا ابتداء لفقد العلم والوجود في الفراخ التي حصل الاشتراك فيها ( قوله لا دجاج وإوز ) أي لانفراد الأنثى منهما بالحضن دون ذكرهما ، فإن دفع أحد بيضا لذي دجاجة أو إوزة ليرقده تحتها ويشتركا في الفراخ فليس له إلا مثل بيضه كمن دفع بذرا لمن يزرعه في أرضه .

( قوله أن ينفقا على الشركة ) أي مناصفة إن كانت قيمة عمل الطير قدر قيمة عمل الطيرة ، وأما إن كانت قيمة عمل الطير تساوي نصف قيمة عمل الطيرة فعلى الثلث والثلثين وقوله أن ينفقا على الشركة في الفراخ أي والحال أن كل طير باق على ملك صاحبه كما يفيده النقل الذي في ابن غازي وغيره وهو محل التفرقة بين الحمام وغيره ، وأما بيع كل واحد منهما نصف ما يملكه بنصف ما يملكه الآخر فالظاهر جوازه مطلقا في الحمام وغيره ولا وجه لمنعه ا هـ .

( قوله ونفقة كل ) أي إذا حصلت الشركة في الفراخ مع بقاء كل طير على ملك ربه ( قوله فيطالبه بثمنه ) هذا فائدة الوكالة .

وحاصله أن فائدة كون المأمور وكيلا في شراء النصف للآمر أن يطالب ذلك المأمور ابتداء بالثمن من جهة البائع وهذا لا ينافي أن كل واحد يتقدما عليه ( قوله ولا يبيعه إلا بإذنه ) أي ولا يبيع المأمور النصف الذي للآمر إلا بإذنه ; لأن وكالته قاصرة على الشراء لا تتعدى لغيره وربما أشعر كلام الشارح أن بيع المأمور نصفه لا يتوقف على إذن الشريك الآمر وليس كذلك ; لأن سياق هذه المسألة بعد شركة العنان يفيد أنها منها وحينئذ فلا يجوز للمأمور أن يتصرف فيها إلا بإذن شريكه ( قوله وأما الوكالة فتخفى ) اعترضه شيخنا بأنها معلومة أيضا من قوله لي وأجيب بأن المتبادر الالتفات لمجموع قوله لي ولك وهو ظاهر في الشركة والالتفات لخصوص لي خفي فتأمل .

( قوله وانقد ما يخصني من الثمن ) أي وهو وكالة وشركة أيضا ( قوله صنعه ) أي المأمور مع الآمر وقوله وهو سلفه أي سلف المأمور للآمر وقوله مع تولي الشراء أي مع تولي المأمور الشراء عن الآمر ( قوله أي عنك ) أشار بهذا إلى أن اللام في لك بمعنى عن فاندفع ما يقال إن سلعة الشخص لا تباع له ( قوله ; لأنه سلف جر نفعا ) أي ; لأن المأمور سلف الآمر وقد جر ذلك السلف نفعا للمأمور وهو تولي الآمر البيع لحصة ذلك المأمور ( قوله وكانت السلعة بينهما ) أي وإذا عثر على ذلك قبل النقد أمر كل واحد بنقد ثمن حصته ويتولى بيعها ، وإن عثر على ذلك بعد النقد أمر المنقود عنه بدفع [ ص: 360 ] ما نقد عنه معجلا ولو اشترط تأجيله ( قوله وليس عليه ) أي على الآمر البيع أي لحصة المسلف الذي هو المأمور ( قوله ، فإن باع ) أي الآمر تلك السلعة ( قوله في كونه أحق بها ) أي عند موت الآمر أو فلسه ( قوله أي يكون له ) أي للمأمور حبسها حتى يقبض ما نقده عن الآمر ويكون المأمور أحق بها في موت الآمر وفي فلسه ( قوله ضمان الرهن ) أي إذا ادعى تلفها ، فإن كانت مما يغاب عليه ضمنها إلا أن تقوم بينة بما ادعاه من التلف أو الضياع ، وإن كانت مما لا يغاب عليه فالقول قوله بيمين إلا أن يظهر كذبه كما مر في الرهن .

فإن قلت إن التشبيه في قول المصنف فكالرهن مشكل ; لأنه من تشبيه الشيء بنفسه ; لأنه إذا قال له انقد عني واحبسها عندك حتى أوفيك كانت رهنا حقيقة وحينئذ ففيه تشبيه الشيء بنفسه .

وأجيب بأن المراد فكالرهن المصرح فيه بلفظ الرهن فلا ينافي أن هذا من جزئيات الرهن غاية الأمر أنه لم يصرح فيه بلفظ الرهن .

وأجاب بعضهم بمنع كون هذا رهنا ; لأن الرهن لا بد فيه من التصريح بلفظ الرهن وهذا لم يصرح فيه وحينئذ فالتشبيه ظاهر والجواب الأول مبني على المعتمد من أن الرهن لا يحتاج للفظ مصرح به مبني على مقابله ( قوله كان ) أي المسلف وقوله من ناحية المقترض الأولى من ناحية الآمر أم لا




الخدمات العلمية