الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الحال الثالث : أن يكون بعض رأس المال باقيا ، وبعضه تالفا ، وهو كتلف بعض المبيع ، وسنذكره إن شاء الله تعالى ، وأما الإجارة ، فنتكلم في إفلاس المستأجر ، ثم المؤجر .

                                                                                                                                                                        القسم الأول : المستأجر ، والإجارة نوعان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : إجارة عين . فإذا أجر أرضا ، أو دابة ، وأفلس المستأجر قبل تسليم الأجرة ومضي المدة ، فللمؤجر فيه فسخ الإجارة على المشهور ، تنزيلا للمنافع منزلة [ ص: 152 ] الأعيان في البيع . وفي قول : لا ؛ إذ لا وجود لها . فعلى المشهور : إن لم يفسخ ، واختار المضاربة بالأجرة فله ذلك . ثم إن كانت العين المستأجرة فارغة ، أجرها الحاكم على المفلس ، وصرف الأجرة إلى الغرماء . وإن كان الفلس بعد مضي بعض المدة فللمؤجر فسخ الإجارة في المدة الباقية ، والمضاربة بقسط الماضية من الأجرة المسماة ، بناء على أنه لو باع عبدين ، فتلف أحدهما ، ثم أفلس ، يفسخ البيع في الباقي ، ويضارب بثمن التالف . ولو أفلس مستأجر الدابة في خلال الطريق ، وحجر عليه ، ففسخ المؤجر لم يكن له ترك متاعه في البادية المهلكة ، ولكن ينقله إلى مأمن بأجرة مثل يقدم بها على الغرماء ; لأنه لصيانة المال ، ثم في المأمن يضعه عند الحاكم . ولو وضعه عند عدل من غير إذن الحاكم ، فوجهان مذكوران في نظائرهما . ولو فسخ والأرض المستأجرة مشغولة بزرع المستأجر ، نظر إن استحصد الزرع فله المطالبة بالحصاد ، وتفريغ الأرض ، وإلا فإن اتفق المفلس والغرماء على قطعه قطع أو على التبقية إلى الإدراك فلهم ذلك ، بشرط أن يقدموا المؤجر بأجرة المثل للمدة الباقية ; لأنها لحفظه على الغرماء . وإن اختلفوا ، فأراد بعضهم القطع ، وبعضهم التبقية ، فعن أبي إسحاق : يعمل بالمصلحة ، والصحيح : أنه إن كان له قيمة قطع ، أجبنا من أراد القطع من المفلس والغرماء ، إذ ليس عليه تنمية ماله لهم ، ولا عليهم انتظار النماء . فعلى هذا لو لم يأخذ المؤجر أجرة المدة الماضية ، فهو أحد الغرماء ، فله طلب القطع ، وإن لم يكن له قيمة لو قطع أجبنا من طلب التبقية ، إذ لا فائدة لطالب القطع . وإذا أبقوا الزرع بالاتفاق ، أو بطلب بعضهم ، وأجبناه ، فالسقي وسائر المؤن إن تطوع بها الغرماء أو بعضهم ، أو أنفقوا عليه على قدر ديونهم فذاك ، وإن أنفق بعضهم ليرجع فلا بد من إذن الحاكم ، أو اتفاق الغرماء والمفلس . فإذا حصل الإذن ، قدم المنفق بما أنفق . وكذا لو أنفقوا على قدر ديونهم ، ثم ظهر غريم آخر ، قدم المنفقون بما أنفقوا على الغرماء . وهل [ ص: 153 ] يجوز الإنفاق عليه من مال المفلس ؟ وجهان . أصحهما : الجواز . ووجه المنع : أن حصول الفائدة متوهم .

                                                                                                                                                                        قلت : وإن أنفق بإذن المفلس وحده ، على أن يرجع بما أنفق ، جاز وكان دينا في ذمة المفلس ، لا يشارك به الغرماء ; لأنه وجب بعد الحجر . وإن أنفق بعضهم بإذن باقيهم فقط ، على أن يرجع عليهم ، رجع عليهم في مالهم . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية