الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                            مواهب الجليل في شرح مختصر خليل

                                                                                                                            الحطاب - محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعينى

                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ص ( وتصرفه قبل الحجر محمول على الإجازة عند مالك لا ابن القاسم وعليهما العكس في تصرفه إذا رشد بعده وزيد في الأنثى دخول زوج ، وشهادة العدول على صلاح حالها ) .

                                                                                                                            ش : الضمير عائد على السفيه البالغ الذي لا حجر عليه ، وهو السفيه المهمل الذي لا أب له ولا وصي ولا مقدم من قبل القاضي وما عزاه لمالك قال في المقدمات : هو المشهور من قول مالك وكبراء أصحابه ، والقول الثاني هو المشهور من قول ابن القاسم وفي المسألة قولان آخران سيأتي ذكرهما في كلام [ ص: 67 ] ابن رشد في المقدمات وعلم من كون الضمير عائدا على السفيه البالغ الذي لا حجر عليه أن مجهول الحال لا ترد أفعاله ، وهو كذلك ، قال في التوضيح والمقدمات اتفاقا : وإن الخلاف إنما هو في البالغ السفيه المهمل الذكر ، وأما من كان دون البلوغ ، فأفعاله مردودة ذكرا كان أو أنثى ، قاله في المقدمات في كتاب المأذون له في التجارة .

                                                                                                                            وأما الأنثى المهملة السفيهة فلم يتعرض لها في هذا المختصر ، ولم يذكر أيضا بماذا تخرج من الحجر ، وذكر في المقدمات في ذلك قولين : أحدهما أن أفعالها جائزة ، وهو قول سحنون في العتبية وقول غير ابن القاسم في المدونة ورواية زياد عن مالك والثاني أن أفعالها مردودة ما لم تعنس ، أو تتزوج ويدخل بها زوجها وتقيم معه مدة يحمل أمرها فيها على الرشد قيل أقصاها العام ، وهو قول ابن الماجشون وقيل ثلاثة ، وقال ابن أبي زمنين : الذي أدركت عليه العمل لا يجوز فعلها حتى يمر بها في بيت زوجها مثل السنتين والثلاث انتهى . ونقله في التوضيح فعلم من هذا أن أفعالها مردودة قبل هذا وانظر هل هي داخلة في قول المؤلف ؟ وزيد في الأنثى دخول زوج إلخ ويكون المؤلف مشى على القول الثاني ويكون قوله شهادة العدول على صلاح حالها في هذه بأن تقيم مدة يحمل أمرها فيها على الرشد ، أو نقول ليست داخلة وكلام المؤلف خاص بذات الأب ، أو الوصي ، وأما المهملة فحكمها ما تقدم والظاهر أنها غير داخلة والمشهور فيها مختلف على ما ذكر في البيان ، ويظهر ذلك من كلامه فإنه ذكر في كل واحدة من ذات الأب والمهملة سبعة أقوال وذكر المشهور في كل واحدة ، ونصه في شرح المسألة السادسة من سماع سحنون من كتاب المديان والتفليس ، وقد اختلف في هاتين اختلافا كثيرا فقيل في ذات الأب : إنها تخرج بالحيض من ولاية أبيها ، وقيل : إنها لا تخرج بها حتى تتزوج ويمر بها عام ونحوه بعد الدخول وقيل : عامان ، وقيل : سبعة .

                                                                                                                            وقيل : لا تخرج ، وإن طالت إقامتها مع زوجها حتى يشهد العدول على صلاح حالها وقيل : تخرج بالتعنيس ، وإن لم يدخل بها زوجها واختلف في حد تعنيسها فقيل : أربعون ، وقيل من خمسين إلى ستين ، وقيل : أفعالها جائزة بعد التعنيس إذا أجازها الولي فهذه سبعة أقوال ، وقيل في اليتيمة المهملة : إن أفعالها بعد البلوغ جائزة ، وقيل : لا تجوز حتى يمر بها بعد الدخول العام ونحوه ، أو العامان ونحوهما ، وقيل : الثلاثة الأعوام ونحوها ، وقيل : حتى تدخل ، ويشهد العدول على صلاح حالها ، وقيل : إذا عنست ، وإن لم تتزوج ، واختلف في هذه من الثلاثين سنة ومما دون الثلاثين إلى الخمسين والستين ، وهو انقطاع الحيض فهذه ستة أقوال ويتخرج فيها قول سابع ، وهو أن تجوز أفعالها بمرور سبعة أعوام من دخولها والمشهور في البكر ذات الأب : أنها لا تخرج من ولاية أبيها انتهى .

                                                                                                                            ولا تجوز أفعالها ، وإن تزوجت حتى يشهد العدول على صلاح أمرها والذي جرى به العمل عندنا أن تكون أفعالها جائزة إذا مرت بها سبعة أعوام من دخول زوجها بها على رواية منسوبة لابن القاسم والمشهور في البكر اليتيمة المهملة أن تكون أفعالها جائزة إذا عنست ومضى لدخول زوجها بها العام ، وهو الذي جرى به العمل فإن عنست في بيت زوجها جازت أفعالها باتفاق إذا علم رشدها ، أو جهل حالها ، وردت إن علم سفهها هذا الذي أعتقده في هذه المسألة على منهاج قولهم انتهى . وعلم من قوله جازت أفعالها باتفاق إذا علم رشدها ، أو جهل حالها أن معنى قوله : والمشهور في المهملة أن أفعالها جائزة إذا عنست أو مضى لدخول زوجها بها العام أن ذلك إذا لم يعلم سفهها والأقوال التي تقدمت في ذات الأب جميعها إذا لم يعلم سفهها ، وأما إن علم سفهها فأفعالها مردودة هكذا قيد جميعها في المقدمات في كتاب المأذون له وكذلك المهملة إذا علم سفهها فلا تجوز أفعالها إلا قول سحنون ، وهو شاذ كما [ ص: 68 ] سيأتي في كلام ابن رشد بخلاف الذكر إذا علم سفهه وكان مهملا فإن أفعاله جائزة عند جميع أصحاب مالك إلا ابن القاسم قال ابن رشد في المسألة التي بعد المسألة المتقدمة ، وأما البكر المهملة دون أب ولا وصي فالمشهور أن خلعها لا يجوز ولا شيء من أفعالها ، وهو نص قول أصبغ في نوازله . من هذا الكتاب ، ومن كتاب التخيير والتمليك وذهب سحنون هنا إلى : أن خلعها يجوز وكذلك سائر أفعالها قياسا على السفيه اليتيم الذي لا وصي له فعلى قوله تجوز أفعالها ، وإن كانت سفيهة معلومة السفه ، وهو شذوذ من قوله لم يتابعه عليه أحد من أصحاب مالك وأجمع أصحاب مالك كلهم غير ابن القاسم على أن أفعال السفيه إذا لم يكن في ولايته جائزة ، وقد روى ابن وهب عن مالك أن أفعاله لا تجوز مثل قول ابن القاسم انتهى .

                                                                                                                            وقد حكي في المقدمات في اليتيم المهمل أربعة أقوال : أحدها قول مالك ، وكبراء أصحابه أن أفعاله كلها بعد البلوغ جائزة نافذة رشيدا كان ، أو سفيها معلنا بالسفه ، أو غير معلن به اتصل سفهه من حين بلوغه ، أو سفه بعد أن أنس منه الرشد من غير تفصيل .

                                                                                                                            الثاني لمطرف وابن الماجشون ، وإن كان متصل السفه فلا يجوز ، وإلا جازت ولزمته ما لم يكن بيعه بيع سفه وخديعة مثل أن يبيع ما بألف بمائة فلا يجوز ، ولا يتبع بالثمن إن أفسده من غير تفصيل بين معلن السفه وغيره ، والثالث لأصبغ إن كان معلنا فلا تجوز ، وإن لم يعلن جازت اتصل سفهه أم لا ، وذهب ابن القاسم ، وهو القول الرابع إلى أنه ينظر يوم بيعه إن كان رشيدا جازت أفعاله ، وإن كان سفيها لم تجز وليس في كلامه في المقدمات مخالفة لقوله في البيان : أجمع مالك وأصحابه غير ابن القاسم ; لأن الخلاف الذي ذكره عن هؤلاء الثلاثة مطرف وابن الماجشون وأصبغ إنما هو في بعض أحوال السفه فتأمله ، والله أعلم .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            الخدمات العلمية