الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  4552 325 - ( حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا سليمان ، قال : حدثني معاوية ابن أبي مزرد ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : خلق الله الخلق ، فلما فرغ منه قامت الرحم ، فأخذت بحقو الرحمن ، فقال له : مه ، قالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، قال : ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ، قالت : بلى يا رب ، قال : فذاك ، قال أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة ظاهرة ، وخالد بن مخلد بفتح الميم واللام وبالخاء المعجمة بينهما الكوفي ، وسليمان هو ابن بلال ، ومعاوية ابن أبي مزرد بضم الميم وفتح الزاي وكسر الراء المشددة وبالدال المهملة ، واسمه عبد الرحمن بن يسار أخو سعيد بن يسار ، ضد اليمين ، يروي معاوية عن عمه سعيد بن يسار .

                                                                                                                                                                                  والحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد عن إسماعيل بن أويس ، وفيه : عن إبراهيم بن حمزة ، وفيه وفي الأدب عن بشر بن محمد ، وأخرجه مسلم في الأدب عن قتيبة ، ومحمد بن عباد ، وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد ابن أبي حاتم .

                                                                                                                                                                                  قوله : " فلما فرغ منه " أي فلما قضاه وأتمه ، قوله : " قامت الرحم " أي القرابة مشتقة من الرحمة ، وهي عرض جعلت في جسم ، فلذلك قامت وتكلمت ، وقال القاضي : يجوز أن يكون المراد قيام ملك من الملائكة ، وتعلق بالعرش ، وتكلم على لسانها بهذا بأمر الله تعالى ، وقال الطيبي : الرحم التي توصل وتقطع إنما هي معنى من المعاني ، والمعاني لا يتأتى فيها القيام ولا الكلام ، فيكون المراد تعظيم شأنها وفضيلة واصلها ، وعظم إثم قاطعيها ، قوله : " فأخذت " في رواية الأكثرين : بلا ذكره مفعوله ، وفي رواية ابن السكن : فأخذت بحقو الرحمن ، وفي رواية الطبري : بحقوي الرحمن بالتثنية ، وقال الطيبي : التثنية فيه للتأكيد ; لأن الأخذ باليدين آكد في الاستجارة من الأخذ بيد واحدة ، والحقو بالفتح الحاء المهملة وسكون القاف وبالواو : الإزار والخصر ومشد الإزار ، وقال عياض : الحقو معقد الإزار ، وهو الموضع الذي يستجار به ويتحرم به على عادة العرب لأنه من أحق ما يحامى عنه ويدفع ، كما قالوا : نمنعه مما يمنع منه أزرنا ، فاستعير ذلك مجازا للرحم في استعاذتها بالله من القطيعة ، وقال [ ص: 173 ] الطيبي : هذا القول مبني على الاستعارة التمثيلية ، كأنه شبه حالة الرحم وما هي عليه من الافتقار إلى الصلة والذب عنها ، بحال مستجير يأخذ بحقو المستجار به، ثم أسند على سبيل الاستعارة التخييلية ما هو لازم المشبه به من القيام ، فيكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة ، ثم رشحت الاستعارة بالقول والأخذ وبلفظ الحقو ، فهو استعارة أخرى ، قوله : " فقال له مه " أي فقال الرحمن للرحم : مه ، أي اكفف ، ويقال ما تقول على الزجر والاستفهام ، وهاهنا إن كان على الزجر فبين ، وإن كان على الاستفهام فالمراد منه الأمر بإظهار الحاجة دون الاستعلام ، فإنه يعلم السر وأخفى ، وقالت النحاة : مه اسم فعل معناه الزجر أي اكفف وانزجر ، وقال ابن مالك : هي هنا ما الاستفهامية حذفت ألفها ووقف عليها بهاء السكت ، قوله : " هذا مقام العائذ " بالذال المعجمة ، وهو المعتصم بالشيء المستجير به ، قوله : " هذا " إشارة إلى المقام معناه : قيامي هذا قيام العائذ بك ، وهذا أيضا مجاز للمعنى المعقول إلى المثال المحسوس المعتاد بينهم ليكون أقرب إلى فهمهم وأمكن في نفوسهم ، قوله : " أن أصل من وصلك " وحقيقة الصلة العطف والرحمة ، وهي فضل الله على عباده لطفا بهم ، ورحمته إياهم ، ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة ، وقطعها معصية كبيرة ، والأحاديث في الباب تشهد لذلك ، ولكن للصلة درجات بعضها أرفع من بعض ، وأدناها ترك المهاجرة ، وصلتها بالكلام ولو بالسلام ، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة ، فمنها واجب ، ومنها مستحب ، ولو قصر عما قدر عليه فينبغي أن يسمى واصلا .

                                                                                                                                                                                  واختلف في الرحم التي يجب صلتها ، فقيل : هي كل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى حرمت مناكحتها ، فعلى هذا لا يجب في بني الأعمام وبني الأخوال لجواز الجمع في النكاح ، دون المرأة وأختها وعمتها ، وقيل : بل هذا في كل ذي رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث محرما كان أو غيره ، قوله : " قال فذاك " إشارة إلى قوله : " ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك " أي ذاك لك ، كما جاء في رواية هكذا .

                                                                                                                                                                                  قوله : " قال أبو هريرة " إلى آخره ظاهره أنه موقوف ، ويأتي مرفوعا في الطريق الذي أخرجه عن إبراهيم بن حمزة عقيب هذا ، قوله : " فهل عسيتم " قرأه نافع بكسر السين والباقون بالفتح ، وقد حكى عبد الله بن المغفل أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها بكسر السين ، قوله : " إن توليتم " اختلف في معناه ، فالأكثرون على أنها من الولاية ، والمعنى : إن وليتم الحكم ، وقيل : بمعنى الإعراض ، والمعنى : لعلكم إن أعرضتم عن قبول الحق أن يقع منكم ما ذكر ، وقال الثعلبي : وعن المسيب بن شريك والفراء فهل عسيتم إن توليتم يعني إن وليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض بالظلم ، نزلت في بني أمية وبني هاشم ، قوله : " وتقطعوا " قيل : من القطع ، وقيل : من التقطيع ، على التكثير لأجل الأرحام .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية