الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون ( 87 ) ) .

قوله تعالى : ( من روح الله ) : الجمهور على فتح الراء ، وهو مصدر بمعنى الرحمة ، إلا أن استعمال الفعل منه قليل ، وإنما يستعمل بالزيادة مثل أراح ، وروح .

[ ص: 66 ] ويقرأ بضم الراء ، وهي لغة فيه . وقيل : هو اسم للمصدر ، مثل الشرب والشرب .

قال تعالى : ( فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ( 88 ) ) .

قوله تعالى : ( مزجاة ) : ألفها منقلبة عن ياء ، أو عن واو ، لقولهم زجا الأمر يزجو .

( فأوف لنا الكيل ) : أي المكيل .

قال تعالى : ( قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ( 90 ) ) .

قوله تعالى : ( قد من الله علينا ) : جملة مستأنفة . وقيل : هي حال من يوسف وأخي ; وفيه بعد لعدم العامل في الحال ، و " أنا " لا يعمل في الحال ، ولا يصح أن يعمل فيه " هذا " لأنه إشارة إلى واحد ، و " علينا " راجع إليهما جميعا .

( من يتق ) : الجمهور على حذف الياء . و " من " شرط ، والفاء جوابه .

ويقرأ بالياء ، وفيه ثلاثة أوجه ; أحدها : أنه أشبع كسرة القاف ، فنشأت الياء .

والثاني : أنه قدر الحركة على الياء ، وحذفها بالجزم ، وجعل حرف العلة كالصحيح في ذلك . والثالث : أنه جعل " من " بمعنى الذي فالفعل على هذا مرفوع .

و ( يصبر ) - بالسكون - فيه وجهان ; أحدهما : أنه حذف الضمة لئلا تتوالى الحركات ، أو نوى الوقف عليه ، وأجرى الوصل مجرى الوقف . والثاني : هو مجزوم على المعنى ; لأن " من " هنا وإن كانت بمعنى الذي ، ولكنها بمعنى الشرط لما فيها من العموم والإبهام ومن هنا دخلت الفاء في خبرها ، ونظيره " فأصدق وأكن " - في قراءة من جزم .

والعائد من الخبر محذوف ; تقديره : المحسنين منهم .

[ ص: 67 ] ويجوز أن يكون وضع الظاهر موضع المضمر ; أي لا نضيع أجرهم .

قال تعالى : ( قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ( 92 ) ) .

قوله تعالى : ( لا تثريب ) : في خبر " لا " وجهان ; أحدهما : قوله : " عليكم " فعلى هذا ينتصب " اليوم " بالخبر . وقيل : ينتصب اليوم بـ " يغفر " . والثاني : الخبر " اليوم " ، وعليكم يتعلق بالظرف أو بالعامل في الظرف ، وهو الاستقرار .

وقيل : هي للتبيين كاللام في قولهم سقيا لك ; ولا يجوز أن تتعلق " على " بتثريب ، ولا نصب " اليوم " به ، لأن اسم " لا " إذا عمل ينون .

قال تعالى : ( اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ( 93 ) ) .

قوله تعالى : ( بقميصي ) : يجوز أن يكون مفعولا به ; أي احملوا قميصي . ويجوز أن يكون حالا ; أي اذهبوا وقميصي معكم .

و ( بصيرا ) حال في الموضعين .

قال تعالى : ( ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ( 100 ) ) .

قوله تعالى : ( سجدا ) : حال مقدرة ; لأن السجود يكون بعد الخرور .

( رؤياي من قبل ) : الظرف حال من " رؤياي " لأن المعنى رؤياي التي كانت من قبل ; والعامل فيها هذا .

ويجوز أن يكون ظرفا للرؤيا ; أي تأويل رؤياي في ذلك الوقت .

ويجوز أن يكون العامل فيها " تأويل " لأن التأويل كان من حين وقوعها هكذا ، والآن ظهر له .

و ( قد جعلها ) : حال مقدرة ; ويجوز أن تكون مقارنة .

و ( حقا ) : صفة مصدر ; أي جعلا حقا .

ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا ; وجعل بمعنى صير . ويجوز أن يكون حالا ; أي وضعها صحيحة .

ويجوز أن يكون " حقا " مصدرا من غير لفظ الفعل ; بل من معناه ; لأن جعلها في معنى حققها ، وحقا في معنى تحقيق .

[ ص: 68 ] و ( وقد أحسن بي ) : قيل : الباء بمعنى إلى . وقيل : هي على بابها ، والمفعول محذوف ، تقديره : وقد أحسن صنعه بي .

و ( إذ ) : ظرف لأحسن ، أو لصنعه .

التالي السابق


الخدمات العلمية