الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 4960 ) فصل : فأما القرابة فيرثون بجميعها ، إذا أمكن ذلك . نص عليه أحمد . وهو قول عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وزيد في الصحيح عنه . وبه قال النخعي ، والثوري ، وقتادة ، وابن أبي ليلى ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، ويحيى بن آدم ، وإسحاق ، وداود ، والشافعي رضي الله عنهم ، في أحد قوليه . واختاره ابن اللبان .

                                                                                                                                            وعن زيد ، أنه ورثه بأقوى القرابتين ، وهي التي لا تسقط بحال . وبه قال الحسن ، والزهري ، والأوزاعي ، ومالك ، والليث ، وحماد ، وهو الصحيح عن الشافعي . وعن عمر بن عبد العزيز ، ومكحول ، والشعبي ، القولان جميعا ، واحتجوا بأنهما قرابتان ، لا يورث بهما في الإسلام ، فلا يورث بهما في غيره ، كما لو أسقطت إحداهما الأخرى . ولنا ، أن الله تعالى فرض للأم الثلث ، وللأخت النصف ، فإذا كانت الأم أختا ، وجب إعطاؤها ما [ ص: 253 ] فرض الله لها في الآيتين ، كالشخصين .

                                                                                                                                            ولأنهما قرابتان ، ترث بكل واحدة منهما منفردة ، لا تحجب إحداهما الأخرى ، ولا ترجح بها ، فترث بهما ، مجتمعين ، كزوج هو ابن عم ، أو ابن عم هو أخ من أم ، وكذوي الأرحام المدلين بقرابتين . وقياسهم فاسد ; لأن القرابتين في الأصل تسقط إحداهما الأخرى إذا كانتا في شخصين ، فكذلك إذا كانتا في شخص . وقولهم : لا يورث بهما في الإسلام . ممنوع ، فإنه إذا وجد ذلك من وطء شبهة في الإسلام ورث بهما ، ثم إن امتناع الإرث بهما في الإسلام لعدم وجودهما ، ولو تصور وجودهما لورث بهما ، بدليل أنه قد ورث بنظيرهما في ابن عم هو زوج ، أو أخ من أم

                                                                                                                                            قال ابن اللبان : واعتبارهم عندي فاسد ، من قبل أن الجدة تكون أختا لأب ، فإن ورثوها بكونها جدة ، لكون الابن يسقط الأخت دونها ، لزمهم توريثها ، بكونها أختا ، لكون الأم تسقط الجدة دونها . وخالفوا نص الكتاب في فرض الأخت ، وورثوا الجدة التي لا نص للكتاب في فرضها ، وهو مختلف فيه ، فمنهم من قال : هو طعمة ، وليس بفرض مستحق . ويلزمهم أن الميت إذا خلف أمه ، وأم أم هي أخت ، أن لا يورثوها شيئا ; لأن الجدودة محجوبة ، وهي أقوى القرابتين . وإن قالوا : نورثها مع الأم بكونها أختا

                                                                                                                                            نقضوا اعتبارهم بكونها أقوى القرابتين ، وجعلوا الأخوة تارة أقوى ، وتارة أضعف . وإن قالوا : أقوى القرابتين الأخوة ; لأن ميراثها أوفر . لزمهم في أم هي أخت جعل الأخوة أقوى من جهة الأمومة ، ويلزمهم في إسقاط ميراثها مع الابن والأخ من الأبوين ما لزم القائلين بتقديم الجدودة مع الأم . فإن قالوا : توريثها بالقرابتين يفضي إلى حجب الأم بنفسها ، إذا كانت أختا ، وللميت أخت أخرى . قلنا : وما المانع من هذا ؟ فإن الله تعالى حجب الأم بالأختين بقوله { : فإن كان له إخوة فلأمه السدس }

                                                                                                                                            من غير تقييد بغيرها . ثم هم قد حجبوها عن ميراث الأخت بنفسها ، فقد دخلوا فيما أنكروه ، بل هو أعظم ; لأنهم فروا من حجب التنقيص إلى حجب الإسقاط ، وأسقطوا الفرض الذي هو أوفر بالكلية محافظة على بعض الفرض الأدنى وخالفوا مدلول أربعة نصوص من كتاب الله تعالى لأنهم أعطوا الأم الثلث ، وإنما فرض الله لها مع الأختين السدس . والثاني ، أن الله تعالى إنما فرض لكل واحدة من الأختين ثلثا ، فأعطوا إحداهما النصف كاملا

                                                                                                                                            والثالث ، أن الله تعالى فرض للأختين الثلثين ، وهاتان أختان ، فلم يجعلوا لهما الثلثين الرابع ، أن مقتضى الآية أن يكون لكل واحدة من الأختين الثلث ، وهذه أخت ، فلم يعطوها بكونها أختا شيئا . وهذا كله معنى كلام ابن اللبان .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية