الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 5052 ) فصل : ولو أمره أن يجعلها في منزله ، فتركها في ثيابه ، وخرج بها ، ضمنها ; لأن البيت أحرز لها . وإن جاءه بها في السوق ، فقال : احفظها في بيتك . فقام بها في الحال ، فتلفت ، فلا ضمان عليه . وإن تركها في دكانه أو ثيابه ، ولم يحملها إلى بيته مع إمكانه ، فتلفت ، ضمنها ; لأن بيته أحرز لها . هكذا قال أصحابنا . ويحتمل أنه متى تركها عنده إلى وقت مضيه إلى منزله في العادة فتلفت ، لم يضمنها ; لأن العادة أن الإنسان إذا أودع شيئا وهو في دكانه ، أمسكه في دكانه أو في ثيابه إلى وقت مضيه إلى منزله [ ص: 305 ]

                                                                                                                                            فيستصحبه معه ، والمودع عالم بهذه الحالة راض بها ، ولو لم يرض بها لشرط عليه خلافها ، وأمره بتعجيل حملها ، فإما أن يقبلها بهذا الشرط أو يردها . وإن قال : اجعلها في كمك . فجعلها في جيبه ، لم يضمنها لأن الجيب أحرز لها ، لأنه ربما نسي ، فيسقط الشيء من كمه بخلاف الجيب . وإن قال : اجعلها في جيبك . فتركها في كمه ، ضمنها لذلك . وإن جعلها في يده ، ضمن أيضا ، كذلك . وإن قال : اجعلها في كمك . فتركها في يده ففيه وجهان ; أحدهما ، يضمن ; لأن سقوط الشيء من اليد مع النسيان أكثر من سقوطه من الكم

                                                                                                                                            والثاني ، لا يضمن ; لأن اليد لا يتسلط عليها الطرار بالبط ، والكم بخلافه ، ولأن كل واحد منهما أحرز من وجه ، فيتساويان . ولمن نصر الوجه الأول أن يقول : متى كان كل واحد منهما أحرز من وجه ، وجب أن يضمن ; لأنه فوت الوجه المأمور بالحفظ به ، وأتى بما لم يؤمر به ، فضمن لمخالفته . وعلى هذا لو أمر بتركها في يده ، فجعلها في كمه ، ضمن لذلك . وقال القاضي : اليد أحرز عند المغالبة ، والكم أحرز منه عند عدم المغالبة . فعلى هذا ، إن أمر بتركها في يده ، فشدها في كمه عند غير المغالبة ، فلا ضمان عليه .

                                                                                                                                            وإن فعل ذلك عند المغالبة ضمن وإن أمره بشدها في كمه ، فأمسكها في يده عند المغالبة لم يضمن ، وإن فعل ذلك عند غير المغالبة ضمن . وإن أمره بحفظها مطلقا ، فتركها في جيبه ، أو شدها في كمه ، لم يضمنها . وإن تركها في كمه غير مشدودة ، وكانت خفيفة لا يشعر بها إذا سقطت ، ضمنها ; لأنه مفرط ، وإن كانت ثقيلة يشعر بها ، لم يضمنها ; لأن هذا عادة الناس في حفظ أموالهم . وإن شدها على عضده ، لم يضمنها ; لأن ذلك أحفظ لها . وقال القاضي : إن شدها من جانب الجيب ، لم يضمن ، وإن شدها من الجانب الآخر ، ضمنها

                                                                                                                                            لأن الطرار يقدر على بطها ، بخلاف ما إذا شدها مما يلي الجيب . وهذا يبطل بما إذا تركها في جيبه ، أو شدها في كمه ، فإن الطرار يقدر على بطها ولا يضمن ، وليس إمكان إحرازها بأحفظ الحرزين مانعا من إحرازها بما دونه ، إذا كان حرزا لمثلها . وشدها على العضد حرز لها كيفما كان ; لأن الناس يحرزون به أموالهم ، فأشبه شدها في الكم وتركها في الجيب ، ولكن لو أمره بشدها مما يلي الجيب ، فشدها من الجانب الآخر ، ضمن . وإن أمره بشدها مما يلي الجانب الآخر ، فشدها مما يلي الجيب ، لم يضمن ; لأنه أحرز . وإن أمره بشدها على عضده مطلقا ، أو أمره بحفظها معه ، فشدها من أي الجانبين كان ، لم يضمن ; لأنه ممتثل أمر مالكها ، محرز لها بحرز مثلها .

                                                                                                                                            وأن شدها على وسطه ، فهو أحرز لها ، وكذلك إن تركها في بيته في حرزها .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية