الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 5092 ) فصل : واختلف الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم ، في قسم الفيء بين أهله ، فذهب أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه إلى التسوية بينهم فيه . وهو المشهور عن علي رضي الله عنه . فروي أن أبا بكر رضي الله عنه سوى بين الناس في العطاء ، وأدخل فيه العبيد ، فقال له عمر : يا خليفة رسول الله ، أتجعل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، وهجروا ديارهم له ، كمن إنما دخلوا في الإسلام كرها ، فقال أبو بكر : إنما عملوا لله ، وإنما أجورهم على الله ، وإنما الدنيا بلاغ .

                                                                                                                                            فلما ولي عمر رضي الله عنه فاضل بينهم ، وأخرج العبيد ، فلما ولي علي ، سوى بينهم ، وأخرج العبيد . وذكر عن عثمان ، رضي الله عنه أنه فضل بينهم في القسمة . فعلى هذا يكون مذهب اثنين منهم . أبي بكر وعلي التسوية ، ومذهب اثنين عمر وعثمان التفضيل . وروي عن أحمد رحمة الله عليه أنه أجاز الأمرين جميعا ، على ما يراه الإمام ، ويؤدي اجتهاده إليه .

                                                                                                                                            فروى عنه الحسن بن علي بن الحسن ، أنه قال : للإمام أن يفضل قوما على قوم . وقال أبو بكر : اختيار أبي عبد الله أن لا يفضلوا . وهذا اختيار الشافعي . وقال أبي : رأيت قسم الله المواريث على العدد ، يكون الإخوة متفاضلين في الغناء عن الميت ، والصلة في الحياة ، والحفظ بعد الموت ، فلا يفضلون ، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأربعة الأخماس على العدد ، ومنهم من يعطى غاية الغناء ويكون الفتح على يديه ، ومنهم من يكون محضره إما غير نافع ، وإما ضرر بالجبن والهزيمة ، وذلك أنهم استووا في سبب الاستحقاق ، وهو انتصابهم للجهاد ، فصاروا كالغانمين .

                                                                                                                                            والصحيح ، إن شاء الله تعالى أن ذلك مفوض إلى اجتهاد الإمام ، يفعل ما يراه من تسوية وتفضيل ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي الأنفال ، فيفضل قوما على قوم على قدر غنائهم . وهذا في معناه . والمشهور عن عمر ، [ ص: 321 ] رضي الله عنه أنه حين كثر عنده المال ، فرض للمسلمين أعطياتهم ، ففرض للمهاجرين من أهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف ، وللأنصار من أهل بدر أربعة آلاف أربعة آلاف ، وفرض لأهل الحديبية ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف ، ولأهل الفتح ألفين ، وقال : بمن أبدأ ؟ قيل له : بنفسك . قال : لا ، ولكن أبدأ بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                            فبدأ ببني هاشم ثم ببني المطلب ; لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد } . ثم ببني عبد شمس ; لأنه أخو هاشم لأبويه ، ثم ببني نوفل ; لأنه أخوهما لأبيهما ، ثم الأقرب فالأقرب . قال أصحابنا : ينبغي أن يتخذ الإمام ديوانا ، وهو دفتر فيه أسماء أهل الديوان ، وذكر أعطياتهم ، ويجعل لكل قبيلة عريفا . فقد روى الزهري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف عام حنين على كل عشرة عريفا . وإذا أراد إعطاءهم بدأ بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي عن عمر رضي الله عنه ويقدم الأقرب فالأقرب

                                                                                                                                            ويقدم بني عبد العزى على بني عبد الدار ; لأن فيهم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن خديجة منهم ، حتى ينقضي قريش ، وهم بنو النضر بن كنانة ، ثم من بعد قريش الأنصار ، ثم سائر العرب ، ثم العجم والموالي ، ثم تفرض الأرزاق لمن يحتاج المسلمون إليهم ، من القضاة ، والمؤذنين ، والأئمة ، والفقهاء ، والقراء ، والبرد ، والعيون ، ومن لا غنى للمسلمين عنه ، ثم في إصلاح الحصون ، والكراع ، والسلاح ، ثم بمصالح المسلمين ، من بناء القناطر والجسور ، وإصلاح الطرق

                                                                                                                                            وكري الأنهار ، وسد بثوقها ، وعمارة المساجد ، ثم ما فضل قسمه على سائر المسلمين ، ويخص ذا الحاجة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية