الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " وكل ذي نقص بعيب لا يضر بالعمل إضرارا بينا مثل العرج الخفيف والعور والشلل في الخنصر ونحو ذلك ، ولا يجزئ المقعد ولا الأعمى ، ولا الأشل الرجل ، ويجزئ الأصم والخصي والمريض الذي ليس به مرض زمانة مثل الفالج والسل " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : اعلم أن الله تعالى أطلق عتق الرقبة في الكفارة فاقتضى إطلاقها أحد أمرين إما السلامة من جميع العيوب كالغرة في الجنين والإبل من الدية ، وإما جوازها مع كل العيوب اعتبارا بمطلق الاسم كالنذور ، لكن انعقد فيها إجماع منع من اعتبار أحد هذين الأصلين : لأنهم أجمعوا على أن من ذوات العيوب ما يجزئ ، وهي العوراء والبرصاء والجدعاء ، ومن ذوات العيوب ما لا يجزئ ، وهي العمياء والقطعاء ، والشلاء ، فاعتبرنا معنى ما أجازوه ، ومعنى ما ردوه ، فوجدناهم قد أجازوا منها ما لا يضر بالعمل إضرارا بينا ، وردوا منها ما يضر بالعمل إضرارا بينا ، فصار هذا أصلا عقده الإجماع في الكفارة خارجا عن الأصلين في إطلاقها ، فاعتبروا كمال المنفعة دون كمال الصفة ؛ لأن المقصود بالعتق تمليك الرقبة منافع نفسها ، فاعتبرنا كمال ما توجه إليه التمليك من المنافع دون الصفات ، فإذا صار هذا أصلا معتبرا انساق عليه التفريع ، فقلنا : إن العوراء تجزئ بكمال منافعها ، وإنها تدرك بإحدى العينين ما تدركه بهما ، فإن قيل : فقد منع الشرع من الأضحية بالعوراء قيل : لأنه قصد به كمال اللحم واستطابته في الأضحية والعور مؤثر فيه ، فمنع منه ، ولم يمنع مما قصد به كمال المنفعة في العتق فأجيز فيه . وإذا أجزأت العوراء في عتق الرقبة فأولى أن يجزئ عتق الحولاء والخيفاء والمقطوعة الأنف والأذنين والبرصاء ؛ لأن كل هذه العيوب غير مضرة بالعمل ، وكذلك يجزئ عتق الخرساء ، وعتق الصماء ؛ لأن عملها كامل والإشارة معهما تقوم مقام النطق ، فإن لم يفهما الإشارة لم يجز عتقهما ، فإن الشافعي [ ص: 326 ] أجاز في موضع عتقهما ومنع منه في موضع آخر ، وليس ذلك على اختلاف قولين ، وإنما هو على اختلاف حالهما في فهم الإشارة ، فأما إن اجتمع فيهما الخرس والصمم لم يجز ؛ لأن اجتماعهما مؤثر من العمل ومقتضى عرفهم الإشارة ولا يجزئ عتق العمياء لإضرار العمى بالعمل ، ولا يجوز عتق المقطوعة اليدين أو إحداهما ولا عتق المقطوعة الرجلين أو إحداهما ، بخلاف العوراء لأن ذهاب إحدى اليدين مضر بالعمل ، وكذلك إحدى الرجلين وذهاب إحدى العينين غير مضر بالعمل ، ويجزئ عتق العرجاء إذا كان عرجها قليلا ، ولا يجزئ إذا كان كثيرا ؛ لأن قليله غير مضر وكثيره مضر ، وتجزئ المقطوعة الخنصر أو البنصر من إحدى الأطراف ، أو الخناصر والبناصر من الأطراف كلها ، ولا يجزئ إذا اجتمع قطع الخنصر والبنصر من طرف واحد ، ويجوز إن كانا من طرفين : لأن اجتماعهما مضر وافتراقهما غير مضر ، ولا تجزئ المقطوعة الإبهام أو السبابة أو الوسطى ؛ لأن قطع كل واحدة من هذه الأصابع الثلاث مضر ، فأما قطع الأنملة الواحدة فيمنع منها إن كانت في الإبهام ولا يمنع منها إن كانت في غيرها من الأصابع ؛ لأن الباقي من أنامل غير الإبهام أكثر ، بخلاف الإبهام ، والشلل في الأطراف كالقطع فما منع منه القطع منع منه الشلل ، وما جاز مع القطع جاز مع الشلل ، فإذا لم تجز القطعاء فأولى أن لا تجزئ المقعدة ولا ذات الزمانة ، وأما المريضة فإن كان مرضها مرجوا كالحمى والصداع أجزأت وإن ماتت ، وإن كان مرضها غير مرجو كالسل والفالج لم تجز وإن صحت ، وأما عتق الشيخ والعجوز ، فعتقهما مجزئ ، ما لم ينتهيا إلى الهرم المضر بالعمل فلا يجزئ ، وسواء في الإجزاء أعتق ذات الضعة وغير ذات الضعة ، ويجزئ عتق الخصي والمجبوب لكمال عملهما ، وكذلك يجزئ عتق الخنثى ، فأما عتق الجذماء فإن كان الجذام في الأنف والأذن أو الشفة أجزأت ، وإن كان في أطراف البدن والرجلين لم يجز ؛ لأنه مضر بالعمل في الأطراف وغير مضر بالعمل في غير الأطراف ويجزئ عتق الأبرص والبرصاء : لأنه غير مضر بالثمل ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية