الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو قال : لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان ، فقدم ليلا فلا صوم عليه ، وأحب لو صام صبيحته ، ولو قدم نهارا هو فيه صائم تطوعا كان عليه قضاؤه ؛ لأنه نذر ، وقد يحتمل القياس أن لا يكون عليه القضاء من قبل أنه لا يصلح بأن يكون فيه صائما عن نذره ( قال المزني ) يعني أنه لا صوم لنذره إلا بنية قبل الفجر ولم يكن له سبيل إلى أن يعلم أن عليه صوما إلا بعد مقدمه ( قال المزني ) : قضاؤه عندي أولى به ( قال المزني ) : وكذلك الحج إذا أمكنه قبل موته ، فرض الله عز وجل صوم شهر رمضان بعينه ، فلم يسقط بعجزه عنه بمرضه ( قال المزني ) - رحمه الله - : قال الله : فعدة من أيام أخر وأجمعوا أنه لو أغمي عليه الشهر كله ، فلم يعقل فيه أن عليه قضاءه والنذر عنده واجب ، فقضاؤه إذا أمكنه ، وإن ذهب وقته واجب ، وقد قطع بهذا القول في موضع آخر . قال الشافعي : ولو أصبح فيه صائما من نذر غير هذا أحببت أن يعود لصومه لنذره ويعود لصومه لقدوم فلان " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وفي انعقاد هذا النذر ، إذا قال : " لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان " قولان :

                                                                                                                                            أحدهما : أن نذره باطل غير منعقد ؛ لأمرين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن تقديم النية في صيام النذر مستحق في الليل ، ولا يجوز تقديمها قبل العلم بوجوبه .

                                                                                                                                            والثاني : أن قدومه فيه يمنع من إجزاء الصوم قبله ، وقد مضى من النهار بعضه ، [ ص: 497 ] فلم يجز لتقدمه وبقاء بعضه ، فلم يصح صوم بعضه ، وهذا تعليل ابن أبي هريرة ؛ فلهذين التعليلين بطل نذره ولم يلزمه قضاؤه ، كمن نذر صيام الأيام المحرمة .

                                                                                                                                            والقول الثاني : وهو الأصح ، واختاره المزني أن نذره منعقد وقضاءه واجب لأمرين :

                                                                                                                                            أحدهما : ما استدل به المزني .

                                                                                                                                            والثاني : أنه نذر انعقد على استقبال صيام في زمان يجوز فيه الصيام ، فصار كسائر الأيام ، وعلى هذا يكون التفريع ، فإن قدم بفلان ميتا ، سقط فرض الصيام لعدم الشرط ، وإن قدم فلان حيا ، لم يخل مقدمه من أن يكون ليلا أو نهارا ، فإن قدم ليلا ، سقط فرض الصيام لأنه لما علقه باليوم صار النهار شرطا في وجوبه ، وذهب بعض الفقهاء إلى وجوب الصيام عليه في غده تعليلا بأن العرب تعبر بالليالي عن الأيام ، وعن الليالي بالأيام ، ولذلك ما استحب الشافعي أن يصوم صبيحة ليلته .

                                                                                                                                            ولو قدم نهارا لم يخل حال الناذر أن يكون فيه صائما ، أو مفطرا ، فإن كان فيه مفطرا ، فيستحب له أن يمسك بقية يومه ، وإن لم يجب عليه الإمساك كالمسافر إذا قدم في يوم قد أفطر في أوله ، استحببنا له أن يمسك في بقيته ، وإن لم يجب عليه الإمساك ، وإن كان الناذر في يوم القدوم صائما لم يخل صومه من ثلاثة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : أن يكون تطوعا ، فيكون فيه على حكم تطوعه ، ولا يجزئه عن نذره ، وفي انحتام صيامه عليه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : ينحتم صومه عليه ، لأنه قد كان عند الله تعالى مستحقا في نذره .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : لا ينحتم صومه عليه ، ويكون على اختياره فيه ، وهو أظهر اعتبارا بما انعقدت نيته عليه من تطوعه .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : أن يكون صيامه عن فرض وجب عليه فهو على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون فرض صيام متعينا في يوم ، وذلك صيامان :

                                                                                                                                            أحدهما : فرض رمضان .

                                                                                                                                            والثاني : لنذر تقدم منه ، تعين عليه في يومه ، فيستكمل صوم يومه عن فرضه الذي دخل فيه ، ولا يجب عليه قضاؤه ، لعدم استحقاقه ، ويستحب لو أعاده ، ولا يكون فرضه مشتركا ، وعليه قضاء نذره المستقبل فيصوم يومين فرضا ويوما مستحبا .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن يصومه عن فرض لم يتعين فيه ، كقضاء رمضان ، وصوم الكفارة ، فعليه إتمامه عن فرضه الذي نواه ، وفي وجوب قضائه عن ذلك الفرض وجهان :

                                                                                                                                            [ ص: 498 ] أحدهما : - وهو قول أبي إسحاق المروزي - يلزمه قضاؤه ، ولا يجب عليه ، لدخوله فيه عن نية انعقدت به ، ثم عليه أن يقضي صوم نذره ، ويصوم على قول أبي علي بن أبي هريرة ثلاثة أيام : يوما عن فرضه ، ويوما عن نذره ، ويوما مستحبا .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : أن يصوم عن نذره في يوم القدوم وهو على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن لا يعلم بقدومه فيه ، فلا يجزئه صيامه عن نذره ، لعدم علمه كما لا يجزئه صيام يوم الشك مع عدم علمه .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن يكون قد علم أنه سيدخل فيه لقربه منه ففي إجزائه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : - وهو قول أبي إسحاق المروزي - إنه يجزئه لأنه قد نواه على علم به .

                                                                                                                                            والثاني : - وهو مقتضى تعليل ابن أبي هريرة - أنه لا يجزئه ، لأنه قد صام أوله قبل مقدمه ، ولأنه قد يجوز أن يتأخر عنه ، مع الاختيار منه ، فلا يصير عالما بمقدمه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية