الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
3343 - "تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم؛ فإنه من كانت الدنيا أكبر همه؛ أفشى الله ضيعته ؛ وجعل فقره بين عينيه؛ ومن كانت الآخرة أكبر همه؛ جمع الله (تعالى) له أمره؛ وجعل غناه في قلبه؛ وما أقبل عبد بقلبه إلى الله (تعالى) إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة؛ وكان الله (تعالى) بكل خير إليه أسرع"؛ (طب)؛ عن أبي الدرداء ؛ (ض) .

التالي السابق


( تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم ) ؛ لأن تفريغ المحل شرط لتنزلات غيث الرحمة؛ وما لم يتفرغ المحل؛ لم يصادف الغيث محلا ينزل فيه؛ ولو فرغ العبد المحل وهيأه وأصلحه؛ لرأى العجائب؛ وفضل الله لا يرده عن العبد إلا المانع الذي في قلبه من دنس الدنيا؛ ودغلها؛ وإذا تفرغ منها العبد؛ وأقبل على ربه؛ صنع له جميلا؛ وهيأ له تدبيرا ينال به فوز العاجل؛ والآجل؛ وسعادة الدارين؛ ولهذا [ ص: 261 ] قال بعضهم: هذا أصل عظيم في تمهيد الطريق إلى الحق - تقدس - بصرف هموم الدنيا المستولية على قلوب الورى الشاغلة لهم عن الإقبال على مولاهم؛ وهمومها: كل هم ينشأ عن الهوى في لذة من لذاتها؛ كملبس؛ ومأكل؛ ومنكح؛ ومال؛ وحشم؛ وجاه؛ فكل هم منها يحجب عن الله؛ وعن الآخرة؛ بحسب قوته وضعفه؛ ولا طهارة للقلب إلا بالفراغ منها؛ هما هما؛ ولهذا قال: (ما استطعتم) ؛ أي: لا تتكلفوا بالتفرغ منها كلها جملة واحدة؛ فإنه غير ممكن؛ بل بالتدريج؛ حسبما يعرفه خواص السالكين؛ وإنما يزال الشيء بضده؛ فيستحضر - بدوام الذكر؛ وصفاء القلب - هما من هموم الآخرة؛ فيدفع هما من هموم الدنيا؛ وينزله مكانه؛ وهكذا لو غلب عليه الحرص؛ يستحضر التوكل؛ أو الأمل؛ يستحضر قرب الأجل؛ أو العاجل؛ استحضر الآجل؛ أو الحرام؛ استحضر غضب الملك العلام؛ وهكذا؛ حتى يدفع بجميع همومها؛ فيسير إلى الحق بكليته؛ ويقبل عليه بحقيقته؛ (فإن من كانت الدنيا أكبر همه) ؛ أي: أعظم شيء يهتم به؛ ويصرف كليته إليه؛ (أفشى الله (تعالى) ضيعته) ؛ أي: كثر عليه معاشه؛ ليشغله عن الآخرة؛ (وجعل فقره بين عينيه) ؛ لأنه إذا رأى منه إقبالا على هذه الدنيا الدنيئة؛ والشهوة الرديئة؛ أعرض عنه؛ حتى يتمكن حب هذه القاذورات منه؛ ويتعالى في الغلو فيها؛ فيضاد أقضية الله وتدبيره؛ فيبوء بتدبيره؛ ومن ثم قيل: من كانت الدنيا همه؛ كثر في الدنيا والأخرى غمه ؛ (ومن كانت الآخرة أكبر همه؛ جمع الله له أمره؛ وجعل غناه في قلبه؛ وما أقبل عبد بقلبه إلى الله (تعالى) إلا جعل قلوب المؤمنين تفد) ؛ أي: تسرع؛ (إليه بالود والرحمة) ؛ أي: من تفرغ من هموم الدنيا؛ أقبل قلبه على الله بكليته؛ أي: حبا؛ ومعرفة؛ وخوفا؛ فدل على أن هذا الإقبال ممكن؛ وثمرته عاجلة؛ أن يجعل الله (تعالى) له محبة ورحمة في قلوب خواص عباده؛ ثم بين أثر ذلك بقوله: "تفد إليه بالود"؛ أي: تقبل على مهماته؛ وخدمته؛ محبة له؛ ثم أكد ذلك بغاية المنى؛ فقال: (وكان الله (تعالى) بكل خير إليه أسرع) ؛ أي: إلى حبه؛ وكفايته؛ ومعونته؛ من جميع عباده؛ ليعرف بركة فراغ قلبه؛ ومن الخير الذي يسرع الله به إليه ما قال المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: "من جعل الهموم هما واحدا؛ كفاه الله هموم الدنيا؛ والآخرة" ؛ ومن كانت الدنيا أكبر همه؛ تخوف بأحوالها؛ وتقلبها؛ ورغب في الجمع والمنع؛ وذلك سم قاتل؛ فمن رفض ذلك؛ انكشف له الغطاء؛ فوجد الله كافيا له في كل أمر؛ فرفع باله عن التدبير لنفسه؛ وأقبل على ملاحظة تدبير الله؛ واستراح؛ وسخر إليه الناس؛ وأفاض عليه الخير بغير حساب ولا قياس:


فإن امرءا دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور



قال الغزالي : ومن الأدوية النافعة في ذلك أن يتحقق أن فوات لذات الآخرة أشد وأعظم من فوات لذات الدنيا؛ فإنها لا آخر لها؛ ولا كدر فيها؛ فلذات الدنيا سريعة الدثور؛ وهي مشوبة بالمكدرات؛ فما فيها لذة صافية عن كدر؛ وفي الإقبال على الأعمال الأخروية والطاعات الربانية تلذذ بمناجاته (تعالى)؛ واستراحة بمعرفته؛ وطاعته؛ وطول الأنس به؛ ولو لم يكن للمطيع جزاء على عمله إلا ما يجده من حلاوة الطاعة؛ وروح الأنس بمناجاته؛ لكفى؛ فكيف بما يضاف إليه من النعيم الأخروي؟! لكن هذه اللذة لا تكون في الابتداء؛ بل بعد مدة؛ حتى يصير له الخير ديدنا؛ كما كان السوء له ديدنا.

(طب) ؛ وكذا في الأوسط؛ (عن أبي الدرداء ) ؛ وضعفه المنذري ؛ وقال الهيثمي : فيه محمد بن سعيد بن حسان المصلوب ؛ وهو كذاب؛ أهـ؛ وكذا ذكره غيره.




الخدمات العلمية