الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
2668 - "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة؛ فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها؛ فليغرسها" ؛ (حم خد؛ عبد بن حميد )؛ عن أنس ؛ (ض) .

التالي السابق


(إن قامت الساعة) ؛ أي: القيامة؛ سميت به لوقوعها بغتة؛ أو لسرعة حسابها؛ أو لطولها؛ فهو تلميح؛ كما يقال في الأسود "كافور"؛ أو لأنها عند الله (تعالى) على طولها كساعة من الساعات عند الخلائق؛ (وفي يد أحدكم) ؛ أيها الآدميون؛ (فسيلة) ؛ أي: نخلة صغيرة؛ إذ الفسيل: صغار النخل؛ وهي الودي؛ (فإن استطاع ألا يقوم) ؛ من محله؛ أي: الذي هو جالس فيه؛ (حتى يغرسها؛ فليغرسها) ؛ ندبا؛ قد خفي معنى هذا الحديث على أئمة أعلام؛ منهم ابن بزيزة ؛ فقال: الله أعلم ما الحكمة في ذلك؛ انتهى؛ قال الهيثمي : ولعله أراد بقيام الساعة: أمارتها؛ فإنه قد ورد: "إذا سمع أحدكم بالدجال ؛ وفي يده فسيلة؛ فليغرسها؛ فإن للناس عيشا بعد" ؛ والحاصل أنه مبالغة في الحث على غرس الأشجار؛ وحفر الأنهار ؛ لتبقى هذه الدار عامرة؛ إلى آخر أمدها المحدود المعدود المعلوم عند خالقها؛ فكما غرس لك غيرك فانتفعت به؛ فاغرس لمن يجيء بعدك؛ لينتفع؛ وإن لم يبق من الدنيا إلا صبابة؛ وذلك بهذا القصد لا ينافي الزهد؛ والتقلل من الدنيا؛ وفي الكشاف: كان ملوك فارس قد أكثروا من [ ص: 31 ] حفر الأنهار؛ وغرس الأشجار؛ وعمروا الأعمار الطوال؛ مع ما فيهم من عسف الرعايا؛ فسأل بعض أنبيائهم ربه عن سبب تعميرهم؛ فأوحى الله إليه: "إنهم عمروا بلادي؛ فعاش فيها عبادي"؛ وأخذ معاوية في إحياء أرض؛ وغرس نخل في آخر عمره؛ فقيل له فيه؛ فقال: ما غرسته طمعا في إدراكه؛ بل حملني عليه قول الأسدي :


ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ولا يكون له في الأرض آثار



ومن أمثالهم: أمارة إدبار الإمارة كثرة الوباء؛ وقلة العمارة؛ وحكي أن كسرى خرج يوما يتصيد؛ فوجد شيخا كبيرا يغرس شجر الزيتون؛ فوقف عليه؛ وقال له: يا هذا؛ أنت شيخ هرم؛ والزيتون لا يثمر إلا بعد ثلاثين سنة؛ فلم تغرسه؟ فقال: أيها الملك؛ زرع لنا من قبلنا؛ فأكلنا؛ فنحن نزرع لمن بعدنا فيأكل؛ فقال له كسرى : "زه"؛ وكانت عادة ملوك الفرس إذا قال الملك منهم هذه اللفظة؛ أعطى ألف دينار؛ فأعطاها الرجل؛ فقال له: أيها الملك؛ شجر الزيتون لا يثمر إلا في نحو ثلاثين سنة؛ وهذه الزيتونة قد أثمرت في وقت غراسها؛ فقال كسرى : "زه"؛ فأعطي ألف دينار؛ فقال له: أيها الملك؛ شجر الزيتون لا يثمر إلا في العام مرة؛ وهذه قد أثمرت في وقت واحد مرتين؛ فقال له: "زه"؛ فأعطي ألف دينار أخرى؛ وساق جواده مسرعا؛ وقال: إن أطلنا الوقوف عنده؛ نفد ما في خزائننا.

(حم خد) ؛ وكذا البزار والطيالسي والديلمي ؛ (عن أنس ) ؛ قال الهيثمي : ورجاله ثقات وأثبات.




الخدمات العلمية