الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          [ جنح ]

                                                          جنح : جنح إليه يجنح ويجنح جنوحا ، واجتنح : مال ، وأجنحه هو ; وقول أبي ذؤيب :


                                                          فمر بالطير منه فاحم كدر فيه الظباء وفيه العصم أجناح

                                                          إنما هو جمع جانح ، كشاهد وأشهاد ، وأراد موائل . وفي الحديث : مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد خفة فاجتنح على أسامة حتى دخل المسجد ؛ أي : خرج مائلا متكئا عليه . ويقال : أقمت الشيء فاستقام . واجتنحته ؛ أي : أملته فجنح ؛ أي : مال . وقال الله - عز وجل - : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ; أي : إن مالوا إليك فمل إليها ، والسلم : المصالحة ، ولذلك أنثت ; وقول أبي النجم يصف السحاب :


                                                          وسح كل مدجن سحاح     يرعد في بيض الذرى جناح

                                                          قال الأصمعي : جناح دانية من الأرض ، وقال غيره : جناح مائلة عن القصد . وجنح الرجل واجتنح : مال على أحد شقيه وانحنى في قوسه . وجنوح الليل : إقباله . وجنح الظلام : أقبل الليل . وجنح الليل يجنح جنوحا : أقبل . وجنح الليل وجنحه : جانبه ، وقيل : أوله ، وقيل : قطعة منه نحو النصف ، وجنح الظلام وجنحه لغتان ، ويقال : كأنه جنح ليل يشبه به العسكر الجرار ; وفي الحديث : إذا استجنح الليل فاكفتوا صبيانكم ; المراد في الحديث أول الليل . وجنح الطريق : جانبه ; قال الأخضر بن هبيرة الضبي :


                                                          فما أنا يوم الرقمتين بناكل     ولا السيف إن جردته بكليل
                                                          وما كنت ضغاطا ولكن ثائرا     أناخ قليلا عند جنح سبيل

                                                          وجنح القوم : ناحيتهم وكنفهم ; وقال :


                                                          فبات بجنح القوم حتى إذا بدا     له الصبح سام القوم إحدى المهالك

                                                          وجناح الطائر : ما يخفق به في الطيران ، والجمع : أجنحة وأجنح . وجنح الطائر يجنح جنوحا إذا كسر من جناحيه ثم أقبل كالواقع اللاجئ إلى موضع ; قال الشاعر :


                                                          ترى الطير العتاق يظلن منه     جنوحا إن سمعن له حسيسا

                                                          وجناحا الطائر : يداه . وجناح الإنسان : يده . ويدا الإنسان : جناحاه . وفي التنزيل : واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ; أي : ألن لهما جانبك . وفيه : واضمم إليك جناحك من الرهب ; قال الزجاج : معنى " جناحك " العضد ، ويقال اليد كلها جناح ، وجمعه : أجنحة وأجنح ، حكى الأخيرة ابن جني وقال : كسروا الجناح ، وهو مذكر على أفعل ، وهو من تكسير المؤنث ; لأنهم ذهبوا بالتأنيث إلى الريشة ، وكله راجع إلى معنى الميل ; لأن جناح الإنسان والطائر في أحد شقيه . وفي الحديث : إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ؛ أي : تضعها لتكون وطاء له إذا مشى ; وقيل : هو بمعنى التواضع له تعظيما لحقه ، وقيل : أراد بوضع الأجنحة نزولهم عند مجالس العلم وترك الطيران ، وقيل : أراد إظلالهم بها ; وفي الحديث الآخر : تظلهم الطير بأجنحتها . وجناح الطائر : يده . وجنحه يجنحه جنحا : أصاب جناحه . الأزهري : وللعرب أمثال في الجناح ، منها قولهم في الرجل إذا جد في الأمر واحتفل : ركب فلان جناحي نعامة ; قال الشماخ :


                                                          فمن يسع أو يركب جناحي نعامة     ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق

                                                          ويقال : ركب القوم جناحي الطائر إذا فارقوا أوطانهم ; وأنشد الفراء :


                                                          كأنما بجناحي طائر طاروا



                                                          ويقال : فلان في جناحي طائر إذا كان قلقا دهشا ، كما يقال : كأنه على قرن أعفر ، ويقال : نحن على جناح سفر ؛ أي : نريد السفر ، وفلان [ ص: 213 ] في جناح فلان ؛ أي : في ذراه وكنفه ، وأما قول الطرماح :


                                                          يبل بمعصور جناحي ضئيلة     أفاويق منها هلة ونقوع

                                                          فإنه يريد بالجناحين الشفتين ، ويقال : أراد بهما جناحي اللهاة والحلق . وجناحا العسكر : جانباه . وجناحا الوادي : مجريان عن يمينه وشماله . وجناح الرحى : ناعورها . وجناحا النصل : شفرتاه . وجناح الشيء : نفسه ; ومنه قول عدي بن زيد :


                                                          وأحور العين مربوب له غسن     مقلد من جناح الدر تقصارا

                                                          وقيل : جناح الدر نظم منه يعرض . وكل شيء جعلته في نظام ، فهو جناح . والجوانح : أوائل الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر ، كالضلوع مما يلي الظهر ، سميت بذلك لجنوحها على القلب ، وقيل : الجوانح الضلوع القصار التي في مقدم الصدر ، والواحدة : جانحة ، وقيل : الجوانح من البعير والدابة ما وقعت عليه الكتف ، وهو من الإنسان الدئي ، وهي ما كان من قبل الظهر ، وهي ست : ثلاث عن يمينك ، وثلاث عن شمالك ; قال الأزهري : جوانح الصدر من الأضلاع المتصلة رءوسها في وسط الزور ، الواحدة : جانحة ; وفي حديث عائشة : كان وقيذ الجوانح ، هي الأضلاع مما يلي الصدر . وجنح البعير : انكسرت جوانحه من الحمل الثقيل . وجنح البعير يجنح جنوحا : انكسر أول ضلوعه مما يلي الصدر . وناقة مجتنحة الجنبين : واسعتهما . وجنحت الإبل : خفضت سوالفها في السير ، وقيل : أسرعت . ابن شميل : الاجتناح في الناقة كأن مؤخرها يسند إلى مقدمها من شدة اندفاعها بحفزها رجليها إلى صدرها ; وقال شمر : اجتنحت الناقة في سيرها إذا أسرعت ; وأنشد :


                                                          من كل ورقاء لها دف قرح     إذا تبادرن الطريق تجتنح

                                                          وقال أبو عبيدة : المجتنح من الخيل الذي يكون حضره واحدا لأحد شقيه يجتنح عليه ؛ أي : يعتمده في حضره ; والناقة الباركة إذا مالت على أحد شقيها ، يقال : جنحت ; قال ذو الرمة :


                                                          إذا مال فوق الرحل أحييت نفسه     بذكراك والعيس المراسيل جنح

                                                          وجنحت السفينة تجنح جنوحا : انتهت إلى الماء القليل فلزقت بالأرض فلم تمض . واجتنح الرجل في مقعده على رحله إذا انكب على يديه كالمتكئ على يد واحدة . الأزهري : الرجل يجنح إذا أقبل على الشيء يعمله بيديه ، وقد حنى عليه صدره ; وقال لبيد :


                                                          جنوح الهالكي على يديه     مكبا يجتلي نقب النصال

                                                          وروى أبو صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بالتجنح في الصلاة ، فشكا ناس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الضعفة فأمرهم أن يستعينوا بالركب ; وفي رواية : شكا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الاعتماد في السجود فرخص لهم أن يستعينوا بمرافقهم على ركبهم . قال شمر : التجنح والاجتناح كأنه الاعتماد في السجود على الكفين ، والادعام على الراحتين ، وترك الافتراش للذراعين ; قال ابن الأثير : هو أن يرفع ساعديه في السجود عن الأرض ولا يفترشهما ، ويجافيهما عن جانبيه ، ويعتمد على كفيه فيصيران له مثل جناحي الطائر ; قال ابن شميل : جنح الرجل على مرفقيه إذا اعتمد عليهما ، وقد وضعهما بالأرض أو على الوسادة يجنح جنوحا وجنحا . والمجنحة : قطعة أدم تطرح على مقدم الرحل يجتنح الراكب عليها . والجناح - بالضم - : الميل إلى الإثم ، وقيل : هو الإثم عامة . والجناح : ما تحمل من الهم والأذى ; أنشد ابن الأعرابي :


                                                          ولاقيت من جمل وأسباب حبها     جناح الذي لاقيت من تربها قبل

                                                          قال : وأصل ذلك من الجناح الذي هو الإثم . وقال أبو الهيثم في قوله - عز وجل - : ولا جناح عليكم فيما عرضتم به ; الجناح : الجناية والجرم ; وأنشد قول ابن حلزة :


                                                          أعلينا جناح كندة أن يغ     نم غازيهم ومنا الجزاء

                                                          وصف كندة بأنهم غزوكم فقتلوكم وتحملوننا جزاء فعلهم ؛ أي : عقاب فعلهم . والجزاء يكون ثوابا وعقابا ; وقيل في قوله : لا جناح عليكم ؛ أي : لا إثم عليكم ولا تضييق . وفي حديث ابن عباس في مال اليتيم : إني لأجنح أن آكل منه ؛ أي : أرى الأكل منه جناحا ، وهو الإثم ; قال ابن الأثير : وقد تكرر الجناح في الحديث ، فأين ورد فمعناه الإثم والميل . ويقال : أنا إليك بجناح ؛ أي : متشوق ، كذا حكي - بضم الجيم - وأنشد :


                                                          يا لهف هند بعد أسرة واهب     ذهبوا وكنت إليهم بجناح

                                                          بالضم ؛ أي : متشوقا . وجنح الرجل يجنح جنوحا : أعطى بيده . ابن شميل : جنح الرجل إلى الحرورية ، وجنح لهم إذا تابعهم وخضع لهم . وجناح : اسم رجل ، واسم ذئب ; قال :


                                                          ما راعني إلا جناح هابطا     على البيوت قوطه العلابطا

                                                          وجناح : اسم رجل . وجناح : اسم خباء من أخبيتهم ; قال :


                                                          عهدي بجناح إذا ما اهتزا     وأذرت الريح ترابا نزا
                                                          أن سوف تمضيه وما ارمأزا



                                                          وتمضيه : تمضي عليه .

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية