الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( ويدفع الصائل ) المعصوم على شيء مما مر ، ومنه أن يدخل دار غيره بغير إذنه ولا ظن رضاه ( بالأخف ) فالأخف باعتبار غلبة ظن المصول عليه ، ويجوز هنا العض ويتجه أنه بعد الضرب وقبل قطع العضو وعليه يحمل قولهم يجوز العض إن تعين للدفع ، ( فإن أمكن ) الدفع ( بكلام ) يزجره به ( أو استغاثة ) بمعجمة ومثلثة ( حرم الضرب ) وظاهر هذا مساواة الزجر للاستغاثة ، وهو واضح إن لم يترتب على الاستغاثة إلحاق ضرر أقوى من الزجر كإمساك حاكم جائر له ، وإلا وجب الترتيب بينهما ، وعليه يحمل إطلاق ضرر من أوجبه ، ومعلوم أنا وإن أوجبناه فهو بالنسبة لغير الضمان لما علم مما مر أنه لا ضمان بمثل ذلك كالإمساك للقاتل ( أو بضرب بيد حرم سوط أو بسوط حرم عصا أو بقطع عضو حرم قتل ) ; لأن ذلك جوز للضرورة ولا ضرورة في الأثقل مع تحصيل المقصود بالأخف ، نعم لو التحم القتال بينهما ، وانسد الأمر عن الضبط سقط مراعاة الترتيب كما ذكره الإمام في قتال البغاة ، وهو ظاهر ; لأن في هذه الحالة لو راعينا الأخف أفضى إلى هلاكه ، ولو اندفع شره كأن وقع في ماء أو نار أو انكسرت رجله أو حال بينهما جدار أو خندق لم يضربه كما في الروضة ، وفائدة الترتيب المذكور أنه متى خالف وعدل إلى رتبة مع إمكان الاكتفاء بما دونها ضمن ، ولو لم يجد المصول عليه إلا سيفا جاز له الدفع به ، وإن كان يندفع بعصا ، إذ لا تقصير منه في عدم استصحابها ، ولذلك من أحسن الدفع بطرف السيف بدون جرح يضمن به بخلاف من لا يحسن ، ومحل رعاية التدريج في غير الفاحشة ، أما فيها كأن أولج في أجنبية ، فكذلك أيضا خلافا للماوردي والروياني كما يعلم ذلك من الروضة بعد في أثناء الباب .

                                                                                                                            أما المهر كزان محصن وحربي ومرتد فلا تجب مراعاة هذا الترتيب فيه بل له العدول إلى قتله لعدم حرمته ( فإن ) صال محترم على نفسه و ( أمكن هرب ) أو تحصن منه بشيء وظن النجاة به ، وإن لم يتيقنها ( فالمذهب وجوبه ) ; لأنه مأمور بتخليص نفسه بالأسهل فالأسهل ( وتحريم قتال ) فإن لم يفعل وقاتله فقتله [ ص: 28 ] لزمه القصاص كما اقتضاه كلامهم ، وهو المعتمد خلافا لما اقتضاه كلام البغوي ، ولو صيل على ماله ولم يمكنه الهرب به لم يلزمه كما بحثه الأذرعي أن يهرب ويدعه له أو على بضعه ثبت إن أمن على نفسه بناء على وجوب الدفع عنه على ما قاله بعضهم ، والأقرب وجوب الهرب هنا إن أمكن أيضا ، ومحل قولهم يجب الدفع عنه حيث تعين طريقا بأن لم يمكنه هرب أو نحوه ، ولو صال عليه مرتد أو حربي لم يجب هرب بل يحرم إن حرم الفرار ، والقول الثاني لا يجب ، والطريق الثاني حمل نص الهرب على من تيقن النجاة به ونص عدمه على من لم يتيقن ( ولو ) ( عضت يده ) مثلا ( خلصها ) منه بفك لحي فضرب فم فسل يد ففقء عين فقلع لحي فعصر خصية فشق بطن ومتى انتقل لمرتبة مع إمكان أخف منها ضمن نظير ما مر ، وقد أشار إلى هذا الترتيب بقوله ( بالأسهل من فك لحييه ) أي رفع أحدهما عن الآخر من غير كسر ولا جرح ( وضرب شدقيه ) ولا يلزمه تقديم إنذار بالقول يعلم عدم إفادته ( فإن عجز ) عن واحد منهما بل أو لم يعجز كما اقتضاه كلام الشافعي رحمه الله وكثيرين .

                                                                                                                            قال الأذرعي : والوجه الجزم به إذا ظن أنه لو رتب أفسدها العاض قبل تخليصها من فيه فبادر ( فسلها فندرت ) بالنون ( أسنانه ) أي سقطت ( فهدر ) لخبر { أنه صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بعدم الدية } والعاض المظلوم [ ص: 29 ] كالظالم إذ العض لا يجوز بحال ، وزعم أن قضية كلام المصنف التخيير بين الفك والضرب ، وليس كذلك بل الفك مقدم ; لأنه أسهل غير صحيح ; لأنه لم يخير بين الشيئين ، بل أوجب الأسهل منهما وهو الفك كما تقرر ، ولو تنازعا في إمكان الدفع بأيسر مما دفع به صدق المعضوض بيمينه كما جزم به في البحر ومثله في ذلك كل صائل كما قاله الأذرعي ، نعم لو اختلفا في أصل الصيال لم يقبل قول نحو القاتل إلا ببينة أو قرينة ظاهرة كدخوله عليه بالسيف مسلولا أو إشرافه على حرمه

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : بالأخف فالأخف ) هذا وينبغي أن يعلم أن من دفع الصائل الدعاء عليه بكف شره عن المصول عليه ، وإن كان بهلاكه وهو ظاهر حيث غلب على الظن أنه لا يندفع إلا بالهلاك وينبغي أن يعلم أيضا أنه لو علم منه أنه لا يندفع شره إلا بالسحر ، وكان المصول عليه أو غيره يعرف ما يمنع الصائل عن صياله لم يجز ; لأن السحر حرام لذاته فليتأمل .

                                                                                                                            ( قوله : سقط مراعاة الترتيب ) أي ولو اختلفا في ذلك صدق الدافع ، وعبارة شيخنا الزيادي : ويصدق الدافع هنا ، وفيما يأتي في عدم إمكان التخلص بدون ما دفع به : أي لعسر إقامة البينة على ذلك ، ثم رأيت قوله الآتي ومثله في ذلك كل صائل إلخ ( قوله : ولذلك ) اسم الإشارة راجع لقوله إذ لا تقصير منه ( قوله : في غير الفاحشة ) أي كما قالوه ، وفي نسخة : أما فيها كأن أولج في أجنبية فكذلك أيضا خلافا للماوردي إلخ ا هـ .

                                                                                                                            وهذه أوضح مما في الأصل ( قوله : فلو رآه قد أولج إلخ ) معتمد ( قوله : فلا تجب مراعاة هذا الترتيب ) أي ما لم يكن مثله ( قوله : فإن صال محترم على نفسه ) أي نفس المصول عليه ولو قال [ ص: 28 ] فإن صال عليه محترم وأمكنه إلخ كان أوضح ( قوله : وهو المعتمد ) ومحله كما هو الفرض حيث علم أن الهرب ينجيه ، فلو عرف أنه إن هرب طمع فيه ، وتبعه وقتله لم يجب الهرب إذ لا معنى له بل له قتاله ابتداء ( قوله : بناء على وجوب الدفع ) معتمد ، وقوله عنه : أي البضع ( قوله : والأقرب وجوب الهرب هنا ) أي فيجب على المرأة الهرب ، وليس المراد وجوب الهرب على من يدفع عنها أخذا من قوله ومحل قولهم إلخ ( قوله : إن حرم الفرار ) أي بأن لم يزد على مثليه ، وكان في صف القتال لما يأتي من أنه لو طلب مسلما مشركان من غير صف لا تجب عليه مصابرتهما بل يجوز له الانصراف ( قوله : فضرب فم ) أي حيث لم يكن الضرب أسهل من فك اللحى ، وإلا قدم الضرب أخذا من قول المتن بعد بالأسهل من فك لحييه وضرب شدقيه ( قوله : فسل يد ) أي حيث ترتب عليه تناثر أسنانه ، وإلا فقد يكون السل أسهل من ضرب الفم بل ومن فك اللحى زاد حج بعد قوله فسل يد فعض ( قوله : بالأسهل من فك لحييه ) فيه أن اللحيين هما العظمات اللذان عليهما الأسنان السفلى ، وقوله أي رفع أحدهما عن الآخر لا يظهر فيهما ، فلعله أراد هنا باللحيين كلا من العظم الذي فيه الأسنان السفلى والعليا مجازا ( قوله وضرب شدقيه ) بكسر الشين ا هـ محلي ( قوله : يعلم عدم إفادته ) أي حال كونه يعلم ذلك ( قوله : والوجه الجزم به ) أي بقوله أو لم يعجز ( قوله : فبادر ) عطف على قوله فإن عجز عن واحد منهما ( قوله : والعاض المظلوم ) كأن أكره عليه أو [ ص: 29 ] تعدى عليه آخر ، وأمكن دفعه بغير العض ( قوله : كالظالم ) أي فلا يجوز له العض ما لم يتعين طريقا كما مر



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : باعتبار غلبة ظن المصول عليه ) لعله جرى على الغالب ، والمراد باعتبار غلبة ظن الدافع ( قوله : ويجوز هنا العض ) أي في الدفع وإن قال الشافعي : إنه لا يجوز بحال محمول على غير الدفع ( قوله : وإن لم يترتب على الاستغاثة إلخ ) ظاهر هذا السياق أن الاستغاثة وإن ترتب عليها ما ذكر مقدمة على الضرب ولعله غير مراد ( قوله : ومحل رعاية التدريج إلخ ) في هذا السياق ركة لاتحاد القيد والمقيد وإن اختلفا من حيث القطع والخلاف [ ص: 28 ] قوله : ولو صيل على ماله ) يعني صيل عليه لأجل ماله كما هي عبارة الرافعي ( قوله : أو على بضعه ثبت ) الظاهر أن الشارح هنا خلط مسألة بمسألة أخرى ، ويعلم ذلك من عبارة القوت ونصها : وأما لو كان الصيال على حرمه فقضية البناء على وجوب الدفع أنه لا يلزمه الهرب ويدعهم ، بل يلزمه الثبات إذا أمن على نفسه ، وإن أمكنه الهرب بهم فكالهرب والتحصن بنفسه أولى بالوجوب انتهت .

                                                                                                                            فهما مسألتان : الأولى ما إذا أمكنه الهرب بنفسه دون البضع ، والثانية ما إذا أمكنه الهرب به ، وما نسبه لبعضهم من متعلق الأولى وما استقر به من متعلق الثانية فلم يتوارد طرفا الخلاف على محل واحد فتأمل ( قوله : أي رفع أحدهما عن الآخر ) لعله حمل اللحيين في كلام المصنف على الفك الأعلى والفك الأسفل الذي هو مجتمع اللحيين تغليبا ، وإلا فالفك الأعلى لا يقال له لحي ، [ ص: 29 ] وكان يمكن إبقاء المتن على ظاهره ، والمعنى فك اللحيين اللذين هما الفك الأسفل عن الفك الأعلى : أي رفعهما عنه فتأمل ( قوله : إذ العض لا يجوز بحال ) أي في غير الدفع كما علم مما مر ، وحينئذ فالمراد بعض المظلوم الممنوع أن يكون لغير الدفع بأن تأتي الدفع بغيره ، ثم رأيت الأذرعي نقل هذا عن صاحب الاقتصار ثم قال : وهذا صحيح




                                                                                                                            الخدمات العلمية