الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            أما الزكاة لو امتنع المالك من أدائها وظفر المستحقون بجنسها فليس لهم الأخذ وإن انحصروا لتوقفها على النية ، وقضيته أنه لو عزل قدرها ونوى وعلموا ذلك جاز للمحصورين أخذها بالظفر حينئذ ، والأقرب خلافه إذ لا يتعين لها بما ذكر بدليل أن له الإخراج من غيره ، ولو ادعى من أخذ من ماله على الظافر أنه أخذ من ماله كذا فقال : ما أخذت فأراد استحلافه كان له أن يحلف أنه ما أخذ من ماله شيئا ولو كان مقرا لكنه يدعي تأجيله كذبا ولو حلف لحلف فللمستحق الأخذ من ماله مما يظفر به أو كان مقرا لكنه ادعى الإعسار وأقام بينة أو صدق بيمينه ورب الدين [ ص: 336 ] يعلم له مالا كتمه فإن لم يقدر على بينة فله الأخذ منه ولو جحد قرابة من تلزمه نفقته أو ادعى العجز عنها كاذبا أو أنكر الزوجية فعلى التفصيل الذي قررناه لكنه إنما يأخذ قوت يوم بيوم مما يظفر به ( وإذا جاز الأخذ ) ظفرا ( فله كسر باب ونقب جدار ) لغريمه لم يتعلق به حق كرهن وإجارة وحجر فلس ووصية كما مر ( لا يصل إلى المال إلا به ) لأن من استحق شيئا استحق الوصول إليه ولا ضمان عليه كدفع الصائل ولو كان بذلك أجنبيا لم يجز فإن فعل ضمن ويمتنع النقب ونحوه في غير متعد لنحو صغر قال الأذرعي : وفي غائب معذور وإن جاز الأخذ وشمل كلام المصنف رحمه الله ما لو كان الذي له تافه القيمة أو اختصاصا كما بحثه الأذرعي ( ثم المأخوذ من جنسه ) أي جنس حقه ( يتملكه ) بدلا عنه قال الإسنوي : وقضيته أنه لا يملكه بمجرد أخذه وليس كذلك ووجهه أن هذا الفعل إنما يجوز لمن يقصد أخذ حقه بلا شك ولهذا قال الروياني وغيره : لو أخذه ليكون رهنا بحقه لم يجز وإذا وجد القصد مقارنا للأخذ كفى ولا حاجة إلى اشتراطه بعد ذلك ولهذا قال الإمام : فإن قصد أخذه عن حقه ملكه وقال البغوي فإذا أخذ جنس حقه ملكه انتهى ووافقه الأذرعي ثم قال : فمعنى يتملكه يتموله ويتصرف فيه والأوجه حمل الأول على ما إذا كان بصفته أو صفة أدون ، والثاني على غير الجنس أو غير الصفة بأن كان بصفة أرفع إذ هو كغير الجنس فيما يأتي فيه ، ( و ) المأخوذ ( من غيره ) أي الجنس أو منه وهو بصفة أرفع كما تقرر ( يبيعه ) بنفسه أو نائبه لأجنبي لا لنفسه اتفاقا أي ولا لمحجوره كما هو ظاهر لامتناع تولي الطرفين وللتهمة ومحل ذلك حيث لم يتيسر علم القاضي به لعدم علمه ولا بينة أو مع أحدهما لكنه يحتاج لمؤنة ومشقة وإلا اشترط إذنه ( وقيل : يجب [ ص: 337 ] دفعه إلى قاض يبيعه ) مطلقا كما لو أمكنه تخليص حقه بالمطالبة والتقاص ولا يبيعه إلا بنقد البلد ثم إن كان جنس حقه تملكه وإلا اشترى جنس حقه لا بصفة أرفع وتملكه وقد علم مما تقرر أنه لو كان حقه دراهم صحاحا فظفر بمكسرة فله أخذها وتملكها أو مكسرة فظفر بصحاح جاز أخذها لاتحاد الجنس ، ولا يمتلكها ولا يشتري بها مكسرة لا متفاضلا للربا ولا متساويا لأنه يجحف بالمأخوذ منه لكن يبيع صحاح الدراهم بدنانير ويشتري بها دراهم مكسرة ويتملكها ( والمأخوذ ) من الجنس وغيره ( مضمون عليه ) أي الآخذ لأنه أخذه لحظ نفسه ( في الأصح فيضمنه إن تلف قبل تملكه ) أي الجنس ( و ) قبل ( بيعه ) أي غير الجنس ، بل ويضمن ثمنه أيضا إن تلف بعد البيع وقبل شراء الجنس به فليبادر بحسب الإمكان ، فإن أخر فنقصت قيمته ضمن النقص ، ولو نقصت وارتفعت وتلف ضمن الأكثر قبل التملك لمالكه والثاني لا يضمنه من غير تفريط لأنه مأخوذ للتوثق والتوصل به إلى الحق فأشبه الرهن ، وإذن الشرع في الأخذ يقوم مقام إذن المالك .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : لتوقفها على النية ) حتى لو مات من لزمته الزكاة لم يجز الأخذ من تركته لقيام وارثه مقامه خاصا كان أو عاما ( قوله : والأقرب خلافه ) تقدم في هامش فصل تجب الزكاة على الفور عن فتوى شيخنا الشهاب الرملي أنه لو نوى الزكاة مع الإفراز فأخذها صبي أو كافر ودفعها لمستحقها أو أخذها المستحق لنفسه ثم علم المالك بذلك أجزأه وبرئت ذمته منها لوجود النية من المخاطب بالزكاة مقارنة لفعله ويملكها المستحق ، لكن إذا لم يعلم المالك بذلك وجب إخراجها ا هـ وهو خلاف ما استوجهه الشارح ، وقد قدم في ذلك الفصل نقل ما أفتى به شيخنا عن بعضهم ورده بما أشرنا في هوامشه إلى البحث فيه ا هـ سم على حج أقول : وقد يقال ما ذكره الشارح هنا لا ينافي ما ذكره سم عن إفتاء والد الشارح لجواز أن ما هنا في مجرد عدم جواز أخذ المستحق لما علل به من أن المالك له إبدال ما ميزه للزكاة ، وهذا لا يمنع من ملك المستحق حيث أخذه بعد تمييز المالك ونيته وإن أثم بالأخذ .

                                                                                                                            ( قوله : ولو ادعى من أخذ من ماله ) قد يتوقف فيه فإنه حين أخذه كان من مال غريمه ، وإنما يدخل في ملكه بالطريق الآتي بعد فكيف ساغ له الحلف ، على أنه لم يأخذ من ماله شيئا ، إلا أن يقال : إن المراد أنه ينوي أنه لم يأخذ من ماله الذي لا يستحق الأخذ منه ، ثم رأيت في شرح الروض التصريح بذلك وعبارته في فصل سن تغليظ يمين في أثناء كلام ما نصه : فللمدعى عليه أن يحلف أنه لم [ ص: 336 ] يأخذ شيئا من ماله بغير إذنه وينوي بغير استحقاق ولا يأثم بذلك ( قوله : فله الأخذ منه ) أي من المال المكتوم أو غيره ( قوله : لكنه إنما يأخذ قوت يوم بيوم ) هذا واضح إن غلب على ظنه سهولة الأخذ في اليوم الثاني وإلا فينبغي أن يأخذ ما يكفيه مدة يغلب على ظنه عدم سهولة الأخذ فيها ( قوله : استحق الوصول إليه ) ومن لازمه جواز السبب فيما يوصل إليه ، وهذا ظاهر حيث وجد ما يأخذه .

                                                                                                                            فإن لم يجد شيئا فهل يضمن ما أتلفه لبنائه على ظن تبين خطؤه أولا لأنه مأذون في أصل الفعل ؟ فيه نظر ، والأقرب الأول لأنه إنما جوز له ذلك للتوصل به إلى استيفاء حقه وحيث لم يحصل له ذلك تبين خطؤه في فعله وعدم العلم بحقيقة الحال لا ينافي الضمان ( قوله : وكل بذلك ) أي بالكسر والنقب وخرج به ما لو وكله في مناولته له من غير كسر ولا نقب فلا ضمان عليه فيما يظهر ( قوله : فإن فعل ضمن ) أي إن وكل أجنبيا ضمن الأجنبي لأن المباشرة مقدمة على السبب ( قوله : لنحو صغر ) أي جنون ( قوله : تافه القيمة ) أي ولو أقل متمول كما يستفاد من جواز ذلك لأخذ الاختصاص بالأولى ( قوله : ملكه ) أي بمجرد الأخذ ( قوله : والأوجه حمل الأول ) مراده بالأول القول بأنه لا يحتاج لتملك ، وبالثاني القول بأنه لا يملكه بنفس الأخذ ، وعبارة حج في إفادة هذا المعنى أوضح مما ذكره الشارح .

                                                                                                                            ( قوله : والمأخوذ من غيره ) منه الأمة المتقدمة في قوله بعد قول المصنف وكذا غير جنسه ولو أمة فيحرم عليه استخدامها والنظر إليها وإن خاف من [ ص: 337 ] اطلاع مالكها عليها إذا أراد بيعها لأنه يمكن بيعها في غير محلته بحيث لا يطلع عليها ، وبفرض تعذر ذلك فهو نادر ( قوله : ثم إن كان جنس حقه تملكه ) ينبغي أن يأتي فيه ما مر عن الإسنوي وغيره من قوله قال الإسنوي وقضيته إلخ ( قوله : لأنه أخذه لحظ نفسه ) كالمستام ا هـ محلي . قال شيخنا الزيادي : فيضمنه بأقصى قيمه كالمغصوب [ ص: 338 ] لا بقيمة يوم التلف فالتشبيه بالنسبة لأصل الضمان ا هـ عباب



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : فليس لهم الأخذ وإن انحصروا لتوقفها على النية ) قد يؤخذ من هذا كالذي بعده أن الكلام في الزكاة ما دامت متعلقة بعين المال .

                                                                                                                            أما لو انتقل تعلقها للذمة بأن أتلف المال الذي تعلقت بعينه فظاهر أنها تصير كسائر الديون فيجرى فيها حكم الظرف هكذا ظهر فليراجع ( قوله : كان له أن يحلف أنه ما أخذ من ماله شيء ) أي وينوي أنه لم يأخذ من ماله بغير استحقاق كما في شرح الروض [ ص: 336 ] قوله كما مر ) انظر أين مر ( قوله : فإن فعل ) يعني الوكيل ( قوله : كما بحثه الأذرعي ) ظاهر السياق أن التشبيه الذي أفادته الكاف بالنسبة لشمول كلام المصنف ما ذكر ، والظاهر أنه غير مراد وأنه بالنسبة للحكم فكان عليه أن يقول وهو كذلك عقب قوله أو اختصاصا ( قوله : ووجهه ) يعني ووجه ما علم من قوله وليس كذلك من أنه يملكه بمجرد الأخذ ، وانظر ما معنى قوله بلا شك وما الداعي إليه ( قوله : قال الروياني وغيره لو أخذه ليكون رهنا بحقه لم يجز ) أي فإن أخذه كذلك لم يملكه أخذا من قوله بعد و إذا وجد القصد مقارنا للأخذ كفى ( قوله : وقال البغوي : فإذا أخذ جنس حقه ملكه ) أي إذا وجد ذلك القصد فهو مقيد بكلام الإمام قبله ( قوله : لامتناع تولي الطرفين ) أي هنا لأن المال في أحد الطرفين لأجنبي ( قوله : ولا حاجة إلى اشتراطه ) يعني التملك ( قوله : والأوجه حمل الأول ) يعني ما ذكره الإسنوي [ ص: 337 ] والأذرعي وقوله والثاني يعني ما في المتن وكان الأصوب أن يعبر بالأول بدل الثاني وبالعكس على أن الصواب حذف قوله على غير الجنس والشهاب ابن حجر لم يذكره في هذا الجمع الذي نقله عن غيره .

                                                                                                                            وأعلم أنه يلزم على هذا الجمع اتحاد هذا القسم مع القسم الثاني الآتي وضياع تفصيل المتن والسكوت عن حكم ما إذا كان بصفة حقه أو بصفة أدون فالوجه ما أفاده العلامة الأذرعي رحمه الله تعالى ، ولا يخفى أنه غير حاصل ما أفاده هذا الجمع الذي استوجهه الشارح وإن ادعى الشهاب ابن قاسم أنه مفاده وحاصله فليتأمل ( قوله : مطلقا ) أي عن التقييد بتيسر علمه وغيره وبين وجود البينة وعدمه ( قوله : لا بصفة أرفع وتملكه ) انظر هل التملك هنا على ظاهره ، أو المراد أنه يدخل في ملكه بمجرد الشراء ، وظاهر قوله الآتي بعد المتن إن تلف بعد البيع وقبل شراء الجنس إلخ إرادة الثاني ( قوله : وتملكها ) يعني تمولها كما مر ( قوله : من الجنس وغيره ) نظر فيه ابن قاسم بالنسبة للجنس لما مر من ملكه بمجرد الأخذ فلا يتصور فيه التلف قبل التملك ، قال : إلا أن يراد بالتملك بالنسبة إليه التمول كما مر فهو دفع لتوهم أنه لو تلف قبل التصرف فيه يبقى حقه ، قال : ولا يفيده تصويره بما إذا كان بصفة أرفع لأنه من القسم الثاني : أي وهو لا بد من بيعه كما مر فلا يتم قوله الآتي مع المتن قبل تملكه : أي الجنس وقبل بيعه : أي غير الجنس ا هـ بالمعنى




                                                                                                                            الخدمات العلمية