الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            [ ص: 91 ] ( ولو ) ( قال ) له علي ( خمسة وعشرون درهما ) أو ألف ومائة وخمسة وعشرون درهما أو ألف ونصف درهم ( فالجميع دراهم على الصحيح ) لجعله الدرهم تمييزا فالظاهر أنه تفسير لجميع المذكورات بمقتضى العطف ، والظاهر كما أفاده الشيخ أنه لو رفع الدراهم أو نصبه في الأخيرة كان الحكم كذلك ، ولا يضر فيه اللحن وأنه لو رفعه أو نصبه فيها لكن مع تنوين نصف أو رفعه أو خفضه في بقية الصور لزمه ما عدده العدد المذكور وقيمته درهم أخذا مما مر في ألف درهم منونين مرفوعين .

                                                                                                                            والوجه الثاني يقول الخمسة في مثال المصنف مجملة والعشرون مفصلة بالدراهم لمكان العطف فالتحقت بألف ودرهم . وعن ابن الوردي أنه يلزمه في اثني عشر درهما وسدسا سبعة دراهم لأنهما تمييزان لكل من الاثني عشر ، فيكون كل مميز النصف للاثني عشر المبهمة حذرا من الترجيح بلا مرجح ونصفها دراهم ستة وسدسي درهم أو درهما أو درهما وربعا فسبعة ونصف أو وثلثا فثمانية أو ونصفا فتسعة كنظير ما تقرر من أن نصف المبهم بعد ذلك الكسر ، فإن قال أردت وسدس درهم صدق بيمينه لاحتماله وكذا الباقي .

                                                                                                                            قال الوالد رحمه الله تعالى : وما حكي عنه غير بعيد بل هو جار على القواعد ، ولكن الأصح أن الكسر في هذه المسائل ونحوها من الدرهم فيلزمه في الأولى اثنا عشر درهما وسدس درهم وفي الثانية اثنا عشر درهما وربع درهم وفي الثالثة اثنا عشر درهما وثلث درهم وفي الرابعة اثنا عشر درهما ونصف درهم ، ومعلوم أنه في قوله اثنا عشر درهما وسدسا لاحن وهو لا يمنع الحكم هذا إن لم يكن نحويا ، فإن كان كذلك لزمه أربعة عشر درهما ، أما لو قال اثنا عشر درهما وسدس بالرفع أو سدس بالجر فلا نزاع في لزوم اثني عشر درهما وزيادة سدس ، والمعتبر في الدراهم المقر بها دراهم الإسلام وإن كانت دراهم البلد أكثر وزنا منها ما لم يفسرها المقر بما يقبل تفسيره فعلى هذا ( لو قال الدراهم التي أقررت بها ناقصة الوزن ) كدراهم طبرية كل درهم منها أربعة دوانق ( فإن كانت دراهم البلد ) أو القرية التي أقر بها ( تامة الوزن ) أي كاملته بأن كان كل درهم ستة دوانق ( فالصحيح قبوله ) أي التفسير بالناقصة ( إن ذكره متصلا ) بالإقرار لأنه حينئذ كالاستثناء وحينئذ يرجع لتفسيره في قدر الناقص ، فإن تعذر بيانه نزل على أقل الدراهم ، والثاني لا يقبل لأن اللفظ صريح في التام وضعا وعرفا ورد بمنع الصراحة ( ومنعه إن فصله عن الإقرار ) وكذبه المقر له فيلزمه دراهم تامة لأن اللفظ والعرف ينفيان قوله

                                                                                                                            والثاني يقبل لأن اللفظ محتمل والأصل براءة الذمة ( وإن كانت ) دراهم البلد ( ناقصة قبل ) قوله ( إن وصله ) بالإقرار إذ اللفظ من حيث الاتصال والعرف يصدقانه ( وكذا إن فصله ) عنه ( في النص ) عملا بعرف البلد كما في المعاملة وفي وجه لا يقبل حملا لإقراره على وزن الإسلام ، ويجري ذلك على الأوجه في بلد زاد وزنهم على درهم الإسلام ، [ ص: 92 ] فإن قال : أردته قبل إن وصله لا إن فصله ( والتفسير بالمغشوشة كهو بالناقصة ) فإن الدرهم عند الإطلاق محمول على الفضة الخالصة وما فيها من الغش ينقصها فكانت كالناقصة في تفصيلها المذكور ، ولو فسرها بجنس رديء أو بغير سكة البلد قبل مطلقا وفارق الناقص بأنه يرفع بعض ما أقر به بخلافه هنا وبخلاف البيع حيث يحمل على سكة البلد لأن البيع إنشاء معاملة ، والغالب أنها في كل محل تقع بما يروج فيه ، والإقرار إخبار عن حق سابق يحتمل ثبوته بمعاملة في غير ذلك المحل فيرجع إلى إرادته ، ولو فسرها بالفلوس لم يقبل لانتفاء تسميتها دراهم ، سواء أفصله أم وصله .

                                                                                                                            نعم لو غلب التعامل بها ببلد بحيث هجر التعامل بالفضة ، وإنما تؤخذ عوضا عن الفلوس كالديار المصرية في هذه الأزمان ، فالأوجه كما بحثه بعض المتأخرين القبول وإن كان منفصلا ، ولو تعذرت مراجعته حمل على دراهم البلد الغالبة على الأصح ، ويجري ذلك في المكيل كما هو ظاهر ، فلو أقر له بإردب بر وبمحل الإقرار مكاييل مختلفة ولا غالب فيها تعين أقلها ما لم يختص المقر به بمكيال منها فيحمل عليه لا على غيره ويحكم عليه بذلك ولو قال : أردت غيرها ، وفي العقود يحمل على الغالب المختص من تلك المكاييل كالنقد ، ويصدق الغاصب والمتلف بيمينه في قدر كيل ما غصبه أو أتلفه ، ولو أقر لغيره بكذا كذا أشرفيا حمل على القدر المعلوم من الذهب والفضة لشمول العرف لذلك فهو مجمل فيرجع في تفسيره إلى المقر ثم إلى ورثته ، فالقول قولهم بأيمانهم في أن القدر المقر به من الفضة كما أفتى بذلك الوالد رحمه الله تعالى ، ودعوى أنه ينافيه قوله في محل آخر أنه موضع لضرب مخصوص من الذهب فيحمل في البيع وغيره عليه غير مسلمة ، وقول المنازع بأن وضعه لمقدار معلوم من الذهب هو الأصل فيه .

                                                                                                                            وأما استعماله فيما يعم الفضة أيضا فهو اصطلاح حادث .

                                                                                                                            وقاعدة الباب قبول مثله متصلا لا منفصلا ممنوع بأن محل ذلك فيما للشرع فيه عرف قديم ، وهذا ليس من هذا القبيل إذ الأشر في حادث ، واستعماله في قدر معلوم من الذهب متجدد فجاز فيه ما تقرر .

                                                                                                                            ولو قال : له علي دريهم بالتصغير أو درهم صغير لزمه صغير القدر وزنا [ ص: 93 ] إن كان في محل أوزانهم فيه وافية لأن الدرهم صريح في الوازن ، والوصف بالصغر يجوز أن يكون في الشكل وأن يكون بالإضافة إلى الدرهم البغلي فلا يترك الصريح بالاحتمال ، فإن كان في محل أوزانهم ناقصة قبل قوله في إرادته منها ولزمه درهم ناقص ويجب عليه بقوله له علي دراهم كثيرة أو قليلة ثلاثة ، ولا يشترط تساويها في الوزن بل يكفي أن تكون الجملة زنة ثلاثة دراهم وبقوله : له علي أقل عدد الدراهم لأن الواحد ليس بعدد .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : لمكان العطف ) أي لأجل العطف ( قوله لأنهما ) أي الدرهم والسدس ( قوله : فإن قال أردت وسدس ) وعبارة حج أن جملة ذلك العدد تساوي درهما ا هـ ( قوله : وما حكى عنه ) أي ابن الوردي ( قوله : أربعة عشر ) أي فيما لو قال وسدسا ( قوله : دراهم الإسلام ) ووزن كل واحد منها بالحب [ ص: 92 ] خمسون شعيرة وخمسا شعيرة ، وبالدوانق ست وكل دانق ثمان حبات وخمسا حبة ( قوله : قبل مطلقا ) أي فصله أو وصله كانت دراهم البلد كذلك أو لا ( قوله : كالديار المصرية ) أي في زمنه إذ ذاك ، وأما في زماننا فلا يقبل منه التفسير بها لأنها لا يتعامل بها الآن إلا في المحقرات ( قوله : ولو قال ) هي غاية ( قوله : في قدر كيل ) أي وفي قيمته أيضا ( قوله : والفضة ) الواو بمعنى أو لأن الأشرفي يطلق تارة على الذهب الخالص وتارة على قدر معين من الفضة كعشرة ( قوله : فجاز فيه ما تقرر ) أي من أنه مجمل فيقبل تفسيره بالفضة [ ص: 93 ] قوله : لأن الواحد ليس بعدد ) أي والمقصود بيان أقل عدد هذا الجنس وأقل ما يصدق عليه ما ذكر وبهذا فارق ما لو قال له علي دراهم فإن ذلك جمع وأقله ثلاثة .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            [ ص: 91 ] قوله : تمييزان لكل من الاثني عشر ) الوجه حذف لفظ من . ( قوله : ولكن الأصح ) أي من ثلاثة أوجه : أحدها : ما ذكره ابن الوردي كما يعلم بمراجعة الدميري وغيره . ( قوله : ويجري ذلك على الأوجه في بلد زاد وزنهم إلخ ) هذا ينافي ما قدمه آنفا من حمل الدراهم في الإقرار على دراهم الإسلام ما لم يفسر بغيرها مما يحتمل ، وعذره أنه خالف في هذا المتقدم آنفا الشهاب حج ، فإن ذاك يختار أنه عند الإطلاق يحمل على دراهم البلد الغالب ، ثم تبعه في جميع ما يأتي مما [ ص: 92 ] هو متعلق بالمسألة فوقع في التناقض في مواضع كما سيأتي التنبيه على بعض ذلك .

                                                                                                                            ( قوله : فالأوجه كما بحثه بعض المتأخرين القبول إن كان متصلا ) وفي نسخة : وإن كان منفصلا ، وهي الموافقة لما في التحفة ( قوله : ويجري ذلك في الكيل ) تبع في هذا الشهاب المذكور ، لكن ذاك جار على طريقته ، فمعنى قول الشهاب ويجري ذلك : يعني الحمل على الغالب عند الإطلاق الذي يقول به هو دون الشارح ( قوله : ولو تعذرت مراجعته حمل على دراهم البلد ) تبع فيه أيضا الشهاب المذكور ، وهو نقيض ما صدر به من الرجوع إلى درهم الإسلام ، فهذا اختيار الشهاب المذكور المقابل لاختيار الشارح ( قوله : فيحمل عليه لا على غيره ) أي الأنقص منه إلا إن وصله كما في التحفة ( قوله : وفي العقود يحمل على الغالب المختص من تلك المكاييل كالنقد ) هذا لا يخالف ما قبله في الحكم ، والعلامة حج ذكر عقب هذا ما نصه : ما لم يختلفا في تعيين غيره فإنهما حينئذ يتحالفان ا هـ .

                                                                                                                            فالذي ذكره العلامة المذكور هو محط المخالفة فكان على الشارح أن يذكره ( قوله : غير مسلمة ) انظر ما وجه عدم التسليم




                                                                                                                            الخدمات العلمية