الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي قَالَ ( الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ لِلْخَلِيطِ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ ثُمَّ لِلْخَلِيطِ فِي حَقِّ الْمَبِيعِ كَالشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ ثُمَّ لِلْجَارِ ) أَفَادَ هَذَا اللَّفْظُ ثُبُوتَ حَقِّ الشُّفْعَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَفَادَ التَّرْتِيبَ ، أَمَّا الثُّبُوتُ فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الشُّفْعَةُ لِشَرِيكٍ لَمْ يُقَاسِمْ } وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ وَالْأَرْضِ ، يَنْتَظِرُ لَهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا } وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا سَقَبُهُ ؟ قَالَ شُفْعَتُهُ } وَيُرْوَى { الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ } وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا شُفْعَةَ بِالْجِوَارِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمُ ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطَّرِيقُ فَلَا شُفْعَةَ } وَلِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَمَلُّكِ الْمَالِ عَلَى الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ ، وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ ; لِأَنَّ مُؤْنَةَ الْقِسْمَةِ تَلْزَمُهُ فِي الْأَصْلِ دُونَ الْفَرْعِ ، وَلَنَا مَا رَوَيْنَا ، وَلِأَنَّ مِلْكَهُ مُتَّصِلٌ بِمِلْكِ الدَّخِيلِ اتِّصَالَ تَأْبِيدٍ وَقَرَارٍ فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَاوَضَةِ بِالْمَالِ اعْتِبَارًا بِمَوْرِدِ الشَّرْعِ ، وَهَذَا لِأَنَّ الِاتِّصَالَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إنَّمَا انْتَصَبَ سَبَبًا فِيهِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْجِوَارِ ، إذْ هُوَ مَادَّةُ الْمَضَارِّ عَلَى مَا عُرِفَ ، وَقَطْعُ هَذِهِ الْمَادَّةِ بِتَمَلُّكِ الْأَصْلِ أَوْلَى ; لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي حَقِّهِ بِإِزْعَاجِهِ عَنْ خُطَّةِ آبَائِهِ أَقْوَى ، وَضَرَرُ الْقِسْمَةِ مَشْرُوعٌ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِتَحْقِيقِ ضَرَرِ غَيْرِهِ . وَأَمَّا التَّرْتِيبُ فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الشَّرِيكُ أَحَقُّ مِنْ الْخَلِيطِ ، وَالْخَلِيطُ أَحَقُّ مِنْ الشَّفِيعِ } فَالشَّرِيكُ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ وَالْخَلِيطُ فِي حُقُوقِ الْمَبِيعِ وَالشَّفِيعُ هُوَ الْجَارُ . وَلِأَنَّ الِاتِّصَالَ بِالشَّرِكَةِ فِي الْمَبِيعِ أَقْوَى ; لِأَنَّهُ فِي كُلِّ جُزْءٍ ، وَبَعْدَهُ الِاتِّصَالُ فِي الْحُقُوقِ ; لِأَنَّهُ شَرِكَةٌ فِي مَرَافِقِ الْمِلْكِ ، وَالتَّرْجِيحُ يَتَحَقَّقُ بِقُوَّةِ السَّبَبِ ، وَلِأَنَّ ضَرَرَ الْقِسْمَةِ إنْ لَمْ يَصْلُحْ عِلَّةً صَلَحَ مُرَجِّحًا . . فتح القدير ( قَوْلُهُ أَمَّا الثُّبُوتُ فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الشُّفْعَةُ لِشَرِيكٍ لَمْ يُقَاسِمْ } ) أَقُولُ : لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى بَعْضِ الْمُدَّعَى وَهُوَ ثُبُوتُ حَقِّ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ إلَّا أَنَّهُ يَنْفِي بَعْضَهُ الْآخَرَ وَهُوَ ثُبُوتُهُ لِغَيْرِ الشَّرِيكِ أَيْضًا كَالْجَارِ الْمُلَاصِقِ ; لِأَنَّ اللَّامَ فِي الشُّفْعَةِ الْمَذْكُورَةِ لِلْجِنْسِ لِعَدَمِ الْعَهْدِ ، وَتَعْرِيفُ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ فَاللَّامُ الْجِنْسِ يُفِيدُ قَصْرَ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ ، وَمَثَّلَ بِنَحْوِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ } سِيَّمَا وَقَدْ أَدْخَلَ عَلَى الْمُسْنَدِ هَاهُنَا لَامَ الِاخْتِصَاصِ كَمَا تَرَى فَكَانَ عَرِيقًا فِي إفَادَة الْقَصْرِ كَمَا فِي { الْحَمْدُ لِلَّهِ } عَلَى مَا قَالُوا ، فَانْتَفَى اقْتِضَاءُ حَقِّ الشُّفْعَةِ عَنْ غَيْرِ الشَّرِيكِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الْجَوَابِ . قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الْمَزْبُورِ : أَيْ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلشَّرِيكِ إذَا كَانَتْ الدَّارُ مُشْتَرَكَةً فَبَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، أَمَّا إذَا بَاعَ بَعْدَهَا فَلَمْ يَبْقَ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ حَقٌّ لَا فِي الدَّاخِلِ وَلَا فِي نَفْسِ الدَّارِ فَحِينَئِذٍ لَا شُفْعَةَ ا هـ . وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِ أَمَّا إذَا بَاعَ بَعْدَهَا إلَخْ ثُمَّ وَجَّهَهُ حَيْثُ قَالَ : هَذَا قَوْلٌ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ التَّخْصِيصُ بِدَلَالَةِ اللَّامِ الِاخْتِصَاصِيَّةِ ا هـ . أَقُولُ : كُلٌّ مِنْ اعْتِرَاضِهِ وَتَوْجِيهِهِ سَاقِطٌ . أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَلِأَنَّ قَوْلَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ : وَأَمَّا إذَا بَاعَ إلَخْ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَزْبُورِ حَتَّى يَتَّجِهَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ هَذَا قَوْلٌ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ ، بَلْ هُوَ كَلَامُ نَفْسِهِ ذَكَرَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرَادِ بَيَانًا لِلْوَاقِعِ ، وَأَمَّا الثَّانِي ; فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ اللَّامُ الِاخْتِصَاصِيَّةُ مَدَارًا لِلتَّخْصِيصِ بِمَعْنَى الْقَصْرِ لَزِمَ أَنْ يَدُلَّ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ الْمُلَاصِقِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ غَيْرَ شَرِيكٍ لَمْ يُقَاسِمْ ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَيْنَا لَا لَنَا ( قَوْلُهُ وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ وَالْأَرْضِ يَنْتَظِرُ لَهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا } ) أَيْ جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ وَجَارُ الْأَرْضِ أَحَقُّ بِالْأَرْضِ . وَقَوْلُهُ " يَنْتَظِرُ لَهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا " : أَيْ الشَّفِيعُ يَكُونُ عَلَى شُفْعَتِهِ إنْ غَابَ ، إذَا لَا تَأْثِيرَ لِلْغَيْبَةِ فِي إبْطَالِ حَقٍّ تَقَرَّرَ سَبَبُهُ ، كَذَا قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ . وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ : يَعْنِي يَكُونُ عَلَى شُفْعَتِهِ مُدَّةَ غَيْبَتِهِ ، إذْ لَا تَأْثِيرَ لِلْغَيْبَةِ فِي إبْطَالِ حَقٍّ تَقَرَّرَ سَبَبُهُ ا هـ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَفِي رِوَايَةِ الْأَسْرَارِ يَنْتَظِرُ بِهَا إذَا كَانَ غَائِبًا ، ثُمَّ قَالَ فِي الْأَسْرَارِ : فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ أَحَقُّ بِهَا عَرْضًا عَلَيْهِ لِلْبَيْعِ ; أَلَا يَرَى أَنَّهُ فَسَّرَ الْحَقَّ بِالِانْتِظَارِ إذَا كَانَ غَائِبًا . قُلْنَا : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهُ أَحَقَّ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ . وَقَوْلُهُ ( يَنْتَظِرُ ) تَفْسِيرٌ لِبَعْضِ مَا شَمَلَهُ كَلِمَةُ أَحَقَّ ; وَلِأَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَرْضٍ بِيعَتْ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شِرْكٌ وَلَا نَصِيبٌ فَقَالَ : الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ } فَهَذَا يُبْطِلُ ذَلِكَ التَّأْوِيلَ ا هـ وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا مُقْتَضَى كَلِمَةِ إنْ الْوَصْلِيَّةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ غَائِبًا يَنْتَظِرُ لَهُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى ، فَفِي كَلَامِهِ بَحْثٌ تَأَمَّلْهُ ا هـ . أَقُولُ : الْمَذْكُورُ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ الْهِدَايَةِ إنْ كَانَ غَائِبًا بِدُونِ الْوَاوِ ، وَالَّذِي ذَكَرَ فِي حَاشِيَةِ ذَلِكَ الْقَائِلِ أَيْضًا تِلْكَ النُّسْخَةِ فَحِينَئِذٍ لَا يَظْهَرُ كَوْنُ كَلِمَةِ إنْ وَصْلِيَّةً ، بَلْ الْمُتَبَادَرُ أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً . وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْأَسْرَارِ حَيْثُ وَقَعَ فِيهَا إذَا كَانَ غَائِبًا ، فَعَلَى ذَلِكَ لَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى إذَا لَمْ يَكُنْ غَائِبًا يَنْتَظِرُ لَهُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى . وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ بِالْوَاوِ وَهِيَ الْأَكْثَرُ وُقُوعًا فِي الشُّرُوحِ فَلَا مَحْذُورَ فِيهَا أَيْضًا ; لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ يَنْتَظِرُ لَهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَلَى مَا بَيَّنُوا أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِنْ غَابَ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى شُفْعَتِهِ حَالَ غَيْبَتِهِ فَلَأَنْ يَكُونَ عَلَى شُفْعَتِهِ حَالَ حُضُورِهِ أَوْلَى بِالطَّرِيقِ ، وَإِنْ تَرَكَ الِانْتِظَارَ عَلَى مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ التَّوَقُّفُ فِي مُهْلَةٍ وَكَانَ الْمَعْنَى يَنْتَظِرُ لَهُ إلَى أَنْ يَجِيءَ وَيَفْرُغَ مِنْ شُفْعَتِهِ تَحَقَّقَتْ الْأَوْلَوِيَّةُ أَيْضًا فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ غَائِبًا ; لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ الِانْتِظَارُ لَهُ إلَى أَنْ يَجِيءَ وَيَفْرُغَ مِنْ شُفْعَتِهِ مَعَ بُعْدِ زَمَانِ الِانْتِظَارِ فَلَأَنْ يَجِبَ الِانْتِظَارُ لَهُ إلَى فَرَاغِهِ مِنْ شُفْعَتِهِ عِنْدَ حُضُورِهِ أَوْلَى لِحُصُولِ الِانْفِصَالِ بَيْنَهُمَا فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ تَأَمَّلْ تَفْهَمْ . ( قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا شُفْعَةَ بِالْجِوَارِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ ، فَإِنْ وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ } ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ : وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللَّامَ لِلْجِنْسِ كَقَوْلِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ' { الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ } فَتَنْحَصِرُ الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ : يَعْنِي إذَا كَانَ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ عِنْدَهُ ، وَأَنَّهُ قَالَ { فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ } وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى عَدَمِ الشُّفْعَةِ فِي الْمَقْسُومِ وَالشَّرِيكُ فِي حَقِّ الْمَبِيعِ وَالْجَارُ حَقُّ كُلٍّ مِنْهُمَا مَقْسُومٌ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ ا هـ . أَقُولُ : فِي تَقْرِيرِهِ نَوْعُ خَلَلٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَالشَّرِيكُ فِي الْحَقِّ الْمَبِيعِ وَالْجَارُ حَقُّ كُلٍّ مِنْهُمَا مَقْسُومٌ يُنَاقِضُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ ، فَإِنَّ مَعْنَى الشَّرِيكِ فِي حَقِّ الْمَبِيعِ مَنْ لَمْ يَكُنْ حَقُّهُ مَقْسُومًا بَلْ كَانَ حَقُّ الْمَبِيعِ مُشَاعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ ، وَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِكَوْنِ حَقِّهِ مَقْسُومًا وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ لَا يَخْفَى ، وَقَصَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ دَفْعَ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ : فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ حَقِّ الشَّرِيكِ فِي حَقِّ الْمَبِيعِ مَقْسُومًا ؟ . قُلْنَا : مُرَادُهُ حَقُّ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْمِلْكِ ا هـ . أَقُولُ فَحِينَئِذٍ يَخْتَلُّ تَفْرِيغُ قَوْلِهِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ عَلَى قَوْلِهِ وَالشَّرِيكُ فِي حَقِّ الْمَبِيعِ وَالْجَارُ حَقُّ كُلٍّ مِنْهُمَا مَقْسُومٌ ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْمِلْكِ فَقَطْ مَقْسُومًا أَنْ لَا يَثْبُتَ فِيهِ شُفْعَةٌ عَلَى مُقْتَضَى دَلَالَةِ قَوْلِهِ { فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ } فَإِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى عَدَمِ الشُّفْعَةِ فِي الْمَقْسُومِ مِنْ جِهَتَيْنِ مَعًا : أَيْ مِنْ جِهَةِ نَفْسِ الْمِلْكِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ " وَمِنْ جِهَةِ حَقِّ الْمَبِيعِ وَهُوَ الطَّرِيقُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ " . وَالْأَوْلَى فِي تَقْرِيرِ الْمَقَامِ أَنْ يُقَالَ : وَأَنَّهُ قَالَ { فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ } وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى عَدَمِ الشُّفْعَةِ فِي الْمَقْسُومِ مِنْ جِهَةِ وُقُوعِ الْحُدُودِ وَمِنْ جِهَةِ صَرْفِ الطُّرُقِ ، وَالْجَارُ الْمُلَاصِقُ حَقُّهُ مَقْسُومٌ مِنْ تِينِك الْجِهَتَيْنِ مَعًا فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ ، إذْ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَقَعُ الِاخْتِلَالُ بِالْكُلِّيَّةِ وَيُطَابِقُ الشَّرْحُ الْمَشْرُوحَ ، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا شُفْعَةَ بِالْجِوَارِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ دَلِيلًا عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِغَيْرِ الْجِوَارِ . نَعَمْ طَعَنَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي تَخْصِيصِهِ بِالْجِوَارِ بِالذِّكْرِ حَيْثُ قَالَ : لَيْسَ لِتَخْصِيصِ هَذَا زِيَادَةُ فَائِدَةٍ ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ كَمَا لَا يَقُولُ بِالشُّفْعَةِ بِالْجِوَارِ فَكَذَلِكَ لَا يَقُولُ بِالشُّفْعَةِ بِالشَّرِكَةِ فِي الْحُقُوقِ أَيْضًا ، وَكَذَلِكَ لَا يَقُولُ بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ كَالْبِئْرِ وَالنَّهْرِ ا هـ . وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : وَجْهُ تَخْصِيصِهِ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ عَدَمُ مُسَاعَدَةِ دَلِيلِالشَّافِعِيِّ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ إلَّا فِي حَقِّ الْجَارِ تَدَبَّرْ ( قَوْلُهُ : وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ ; لِأَنَّ مُؤْنَةَ الْقِسْمَةِ تَلْزَمُهُ فِي الْأَصْلِ دُونَ الْفَرْعِ ) فَسَّرَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَالشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ الْمُشَارَ إلَيْهِ بِهَذَا فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ بِالْجَارِ حَيْثُ قَالُوا وَهَذَا : أَيْ الْجَارُ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَحْدَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ : أَيْ الْجَارِ : يَعْنِي شُفْعَةَ الْجَارِ ، وَسَكَتَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحِ عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا هُنَا ، وَفَسَّرَ عَامَّتُهُمْ الْفَرْعَ فِي قَوْلِهِ دُونَ الْفَرْعِ بِالْجَارِ أَيْضًا ، وَفَسَّرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بِالْمَقْسُومِ وَتَبِعَهُ الْعَيْنِيُّ وَأَجْمَعُوا عَلَى تَفْسِيرِ الْأَصْلِ بِمَا لَمْ يُقْسَمْ . أَقُولُ : الْحَقُّ الْوَاضِحُ عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا وَالْفَرْعِ كِلَيْهِمَا هُوَ الْمَقْسُومُ لَا غَيْرَ ; لِأَنَّهُ لَا حَاصِلَ لَأَنْ يُقَالَ : الْجَارُ لَيْسَ فِي مَعْنَى مَا لَمْ يُقْسَمْ إذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ الْجَارَ فِي حُكْمِ مَا لَمْ يُقْسَمْ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ الْمَقْسُومَ فِي حُكْمِ مَا لَمْ يُقْسَمْ إذَا وُجِدَ الِاتِّصَالُ بِمِلْكِ الْبَائِعِ ، وَلَا صِحَّةَ لَأَنْ يُقَالَ الْجَارُ فَرْعٌ لِمَا لَمْ يُقْسَمْ ; لِأَنَّ الَّذِي فِي حُكْمِ مَا لَمْ يُقْسَمْ إنَّمَا هُوَ الْمَقْسُومُ لَا الْجَارُ نَفْسُهُ ، وَهَذَا مِمَّا لَا سُتْرَةَ بِهِ . فَعَامَّةُ الشُّرَّاحِ خَرَجُوا فِي تَفْسِيرِ كُلٍّ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ عَنْ سُنَنِ الصَّوَابِ . وَأَمَّا صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فَقَدْ أَصَابَ فِي تَفْسِيرِ الْفَرْعِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ : وَهُوَ الْمَقْسُومُ ، وَلَمْ يُصِبْ فِي تَفْسِيرِ هَذَا حَيْثُ قَالَ فِيهِ : أَيْ الْجَارُ ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا ذَاقَ بَشَاعَةَ هَذَا التَّفْسِيرِ قَالَ بَعْدَهُ : يَعْنِي شُفْعَةَ الْجَارِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا ، إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَيْضًا بِأَنَّ شُفْعَةَ الْجَارِ فِي مَعْنَى نَفْسِ مَا لَمْ يُقْسَمْ إلَّا أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ آخَرُ فِي قَوْلِهِ مَعْنَاهُ أَيْضًا فَيَصِيرُ الْمَعْنَى لَيْسَ فِي مَعْنَى شُفْعَتِهِ : أَيْ شُفْعَةِ مَا لَمْ يُقْسَمْ ، لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ تَمَحُّلٌ بَعْدَ تَمَحُّلٍ بِلَا ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا فَالْحَقُّ مَا قُلْته لِقَوْلِهِ ( وَلِأَنَّ مِلْكَهُ مُتَّصِلٌ بِمِلْكِ الدَّخِيلِ اتِّصَالَ تَأْبِيدٍ وَقَرَارٍ ) قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ : ذِكْرُ التَّأْبِيدِ احْتِرَازٌ عَنْ الْمَنْقُولِ وَالسُّكْنَى بِالْعَارِيَّةِ ، وَذِكْرُ الْقَرَارِ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا ، فَإِنَّهُ لَا قَرَارَ لَهُ إذْ النَّقْضُ وَاجِبٌ دَفْعًا لِلْفَسَادِ ا هـ . وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ . وَرَدَّ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَوْلَهُ وَالسُّكْنَى بِالْعَارِيَّةِ حَيْثُ قَالَ : لَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ مِلْكٌ حَتَّى يُحْتَرَزَ عَنْهُ ا هـ . أَقُولُ : إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِلْكٌ مِنْ حَيْثُ الرُّقْبَةُ فَلَهُ مِلْكٌ مِنْ حَيْثُ الْمَنْفَعَةُ ; لِأَنَّ الْإِعَارَةَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ بِلَا عِوَضٍ عَلَى مَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ ، فَكَانَ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ مُتَّصِلٌ بِمِلْكِ الدَّخِيلِ مُتَنَاوِلًا الدَّارَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَارِيَّةِ أَيْضًا فَحَصَلَ بِقَوْلِهِ اتِّصَالُ تَأْبِيدٍ الِاحْتِرَازُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ . ( قَوْلُهُ فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الشُّفْعَةِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَارَضَةِ بِالْمَالِ اعْتِبَارًا بِمَوْرِدِ الشَّرْعِ ) قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ : قَوْلُهُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَارَضَةِ بِالْمَالِ احْتِرَازٌ عَنْ الْإِجَارَةِ وَالدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ وَالْمَجْعُولَةِ رَهْنًا ا هـ وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ : وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْإِجَارَةِ وَالْمَرْهُونَةِ وَالْمَجْعُولَةِ مَهْرًا ا هـ . وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ . أَقُولُ : فِيهِ بَحْثٌ ; لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ وَإِنْ كَانَ لَهُ مِلْكٌ فِي الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَنْفَعَةُ ; لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ فَتَحَقَّقَ لَهُ فِيهَا نَوْعُ مِلْكٍ كَمَا فِي الْمُسْتَعِيرِ عَلَى مَا مَرَّ آنِفًا ، إلَّا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ خَرَجَا بِقَوْلِهِ اتِّصَالَ تَأْبِيدٍ فِيمَا قَبْلُ فَمَا مَعْنَى الِاحْتِرَازِ عَنْ الْإِجَارَةِ مَرَّةً أُخْرَى بِقَوْلِهِ هَاهُنَا عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَارَضَةِ بِالْمَالِ : وَأَمَّا الْمُرْتَهِنُ فَلَا مِلْكَ لَهُ فِي الدَّارِ الْمَرْهُونَةِ لَا مِنْ حَيْثُ الرَّقَبَةُ وَلَا مِنْ حَيْثُ الْمَنْفَعَةُ ، فَقَدْ خَرَجَ بِالْمِلْكِ الْمَذْكُورِ مِنْ قَبْلُ قَطْعًا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَيْدِ التَّأْبِيدِ فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الدَّارِ الْمَرْهُونَةِ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا أَصْلًا . وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ مِثْلِ الدَّارِ الْمَوْرُوثَةِ وَالْمَوْهُوبَةِ وَالْمُوصَى بِهَا وَالْمَجْعُولَةِ مَهْرًا ، فَإِنَّ فِي كُلٍّ مِنْهَا يَتَحَقَّقُ الْمِلْكُ وَالتَّأْبِيدُ وَالْقَرَارُ ، لَكِنْ لَا شُفْعَةَ فِيهَا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُعَارَضَةِ الْمَالِيَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ( قَوْلُهُ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي حَقِّهِ بِإِزْعَاجِهِ عَنْ خُطَّةِ آبَائِهِ أَقْوَى ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ : الدَّلِيلُ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعَى ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي خُطَّةِ آبَائِهِ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مَالِكًا بِالشِّرَاءِ أَوْ الْهِبَةِ ا هـ . أَقُولُ : الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الدَّلِيلِ أَنَّ الضَّرَرَ فِي حَقِّهِ بِإِزْعَاجِهِ عَنْ خُطَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ الْمُتَقَرِّرَةِ أَقْوَى فَيَعُمُّ مَا كَانَ مِلْكًا لَهُ بِالشِّرَاءِ أَوْ الْهِبَةِ إلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ أَصَالَةِ خُطَّتِهِ وَتَقَرُّرِهَا بِإِضَافَتِهَا إلَى آبَائِهِ مُبَالَغَةً فِي بَيَانِ أَصَالَتِهَا وَتَقَرُّرِهَا ، وَبِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْأَكْثَرُ وُقُوعًا فِي الْعَادَةِ ، فَأَخَصِّيَّةُ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ بِالنَّظَرِ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ فَلَا مَحْذُورَ فِيهِ ( قَوْلُهُ وَضَرَرُ الْقِسْمَةِ مَشْرُوعٌ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِتَحْقِيقِ ضَرَرِ غَيْرِهِ ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ مُؤْنَةَ الضَّرَرِ تَلْزَمُهُ فِي الْأَصْلِ دُونَ الْفَرْعِ : يَعْنِي أَنَّ التَّعْلِيلَ بِذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ مُؤْنَةَ الْقِسْمَةِ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِتَحْقِيقِ ضَرَرٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ وَهُوَ تَمَلُّكُ مَالِ الْغَيْرِ بِدُونِ رِضَاهُ ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ . قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ بَيَانِ ذَلِكَ : وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَوَابَ عَنْ اسْتِدْلَالِهِ بِالْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ فِي حَيِّزِ التَّعَارُضِ ا هـ . أَقُولُ : هَذَا عُذْرٌ بَارِدٌ بَلْ كَاسِدٌ ; لِأَنَّ كَوْنَ الْحَدِيثِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَصْمُ فِي حَيِّزِ التَّعَارُضِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ لَا يُسَوِّغُ الِاسْتِغْنَاءَ عَنْ ذِكْرِ الْجَوَابِ ، فَإِنَّ حُكْمَ التَّعَارُضِ هُوَ التَّسَاقُطُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ الرُّجْحَانُ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ الْمُخَلِّصُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الطَّلَبِ كَمَا عُرِفَ فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسَاقُطِ هَاهُنَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَثْبُتَ مُدَّعَانَا كَمَا لَا يَثْبُتُ مُدَّعَاهُ ، وَذَلِكَ يُخِلُّ بِمَطْلُوبِنَا هَاهُنَا لَا مَحَالَةَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْجَوَابِ . إمَّا بِبَيَانِ الرُّجْحَانِ فِيمَا رَوَيْنَاهُ أَوْ بِبَيَانِ الْمُخَلِّصِ عَلَى وَفْقِ قَاعِدَةِ الْأُصُولِ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ : يَكْفِينَا دَلِيلُنَا الْعَقْلِيُّ عِنْدَ تَحَقُّقِ حُكْمِ التَّعَارُضِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ لَكِنْ فِيهِ مَا فِيهِ . وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ : وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ } مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ { فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ } مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَّقَ عَدَمَ الشُّفْعَةِ بِالْأَمْرَيْنِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَلَمْ تُصْرَفْ الطُّرُقُ بِأَنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاحِدًا تَجِبُ الشُّفْعَةُ ا هـ . أَقُولُ : فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ نَظَرٌ . أَمَّا فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ الَّذِي فِي الْكَافِي وَعَامَّةِ الشُّرُوحِ ; فَلِأَنَّ مَدَارَ اسْتِدْلَالِ الشَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ } لَيْسَ عَلَى مُجَرَّدِ تَخْصِيصِ كَوْنِ الشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ بِالذِّكْرِ حَتَّى يَتِمَّ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ ، بَلْ مَدَارُ اسْتِدْلَالِهِ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّامَ فِي الشُّفْعَةِ لِلْجِنْسِ لِعَدَمِ الْمَعْهُودِ فَيَقْتَضِي قَصْرَ الشُّفْعَةِ عَلَى مَا لَمْ يُقْسَمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ } وَقَدْ صَرَّحُوا بِهِ فِي أَثْنَاءِ تَقْرِيرِ وَجْهِ اسْتِدْلَالِهِ بِذَلِكَ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَدَاةَ الْقَصْرِ تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَا الْمَذْكُورِ ، فَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ عَنْهُ مَا ذَكَرَهُ تَاجُ الشَّرِيعَةِ ، وَهُوَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ كَمَا تَدْخُلَانِ فِي الِاسْمِ لِلِاسْتِغْرَاقِ تَدْخُلَانِ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ ، كَمَا يُقَالُ الْعَالِمُ فِي الْبَلَدِ فُلَانٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ عُلَمَاءٌ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَكُونُ الْمُرَادُ بِمَا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَقْوَى الْأَسْبَابِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ : إنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ أَقْوَى وَلِهَذَا قَدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ ا هـ . وَأَمَّا فِي الثَّانِي ; فَلِأَنَّ حُصُولَ الْإِلْزَامِ لِلشَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ " فَإِنْ وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطَّرِيقُ " عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْجَوَابِ الْمَزْبُورِ مَمْنُوعٌ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَإِنْ قَالَ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ إلَّا أَنَّ لَهُ شَرَائِطَ عِنْدَهُ : مِنْهَا أَنْ لَا يَخْرُجَ الْكَلَامُ مَخْرَجَ الْعَادَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ } عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ ، فَلَهُ أَنْ يَقُولَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ إنَّ قَوْلَهُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْعَادَةِ بِكَوْنِ صَرْفِ الطُّرُقِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ غَالِبُ الْوُقُوعِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ وَاحِدًا تَجِبُ الشُّفْعَةُ ، وَلَئِنْ سُلِّمَ حُصُولُ الْإِلْزَامِ لَهُ بِذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ ; لِأَنَّ فِيهِ اعْتِرَافًا بِكَوْنِهِ مُلْزِمًا إيَّانَا أَيْضًا ، وَلَوْ كُنَّا مُلْزَمِينَ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَمَا الْفَائِدَةُ لَنَا فِي كَوْنِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا مُلْزَمًا بِهِ ، وَتِلْكَ الْمُقَدِّمَةُ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، وَعَلَى هَذَا لَمْ يَقَعْ التَّعْبِيرُ بِأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ فِي غَيْرِ كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ . فَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ عَنْ آخِرِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ . وَهُوَ قَوْلُهُ { فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ } مَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْكَافِي ، وَذُكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِ الْحَدِيثِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي فَلَا يَكُونُ حُجَّةً لِلْخَصْمِ فِي عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ مَعَ مَا صَحَّ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ . وَلَئِنْ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ نَفْسِ الْحَدِيثِ فَالْمُرَادُ نَفْيُ الشُّفْعَةِ الثَّابِتَةِ بِسَبَبِ الشَّرِكَةِ عَمَلًا بِمَا رَوَيْنَاهُ : أَيْ جَمْعًا بَيْنَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا رَوَيْنَاهُ أَوْ مَعْنَاهُ فَلَا شُفْعَةَ بِسَبَبِ الْقِسْمَةِ الْحَاصِلَةِ بِوُقُوعِ الْحُدُودِ وَصَرْفِ الطَّرِيقِ ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا ; لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَمَّا كَانَ فِيهَا مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ كَانَتْ مَوْضِعَ أَنْ يُتَوَهَّمَ اسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ بِهَا كَالْبَيْعِ ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَمَ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ بِهَا إزَالَةً لِذَلِكَ الْوَهْمِ . وَأَوْرَدَ عَلَيْنَا مِنْ قِبَلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ فِي رِوَايَةٍ { إنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ } وَإِنَّمَا لِإِثْبَاتِ الْمَذْكُورِ وَنَفْيِ مَا عَدَاهُ . وَأُجِيبُ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ . قَالَ فِي الْكَافِي وَالْكَافِيَةِ : وَإِنَّمَا قَدْ تَقْتَضِي تَأْكِيدَ الْمَذْكُورِ لَا نَفْيَ غَيْرِ الْمَذْكُورِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ } ا هـ . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَكَلِمَةُ إنَّمَا قَدْ تَجِيءُ لِلْإِثْبَاتِ بِطَرِيقِ الْكَمَالِ ، كَمَا يُقَالُ إنَّمَا الْعَالِمُ فِي الْبَلَدِ زَيْدٌ : أَيْ الْكَامِلُ فِيهِ ، وَالْمَشْهُورُ بِهِ زَيْدٌ وَلَمْ يَرِدْ بِهِ نَفْيَ الْعِلْمِ عَنْ غَيْرِهِ ، وَهَاهُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّ الشَّرِيكَ الَّذِي لَمْ يُقَاسِمْ هُوَ الشَّرِيكُ فِي الْبُقْعَةِ وَهُوَ كَامِلٌ فِي سَبَبِ اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ حَتَّى لَا يُزَاحِمَهُ غَيْرُهُ فَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى إثْبَاتِ الْمَذْكُورِ بِطَرِيقِ الْكَمَالِ دُونَ نَفْيِ غَيْرِهِ ا هـ . وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ : أَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ فِي صَدْرِهِ نَفْيُ الشُّفْعَةِ عَنْ الْمَقْسُومِ ; لِأَنَّ كَلِمَةَ إنَّمَا لَا تَقْتَضِي نَفْيَ غَيْرِ الْمَذْكُورِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرًا مِثْلَهُمْ ا هـ . أَقُولُ : فِيمَا ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ خَلَلٌ بَيِّنٌ ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ أَنَّهُ يُؤَخَّرُ الْمَقْصُورُ عَلَيْهِ فِي " إنَّمَا " وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَالْمَقْصُورُ فِي قَوْله تَعَالَى { إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } مَدْلُولٌ أَنَا وَالْمَقْصُورُ عَلَيْهِ هُوَ الْبَشَرِيَّةُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّمَا لِإِثْبَاتِ الْمَذْكُورِ وَنَفْيِ غَيْرِ الْمَذْكُورِ هُوَ الْمَقْصُورُ عَلَيْهِ إذْ بِإِثْبَاتِ ذَلِكَ وَنَفْيِ غَيْرِهِ يَحْصُلُ مَعْنَى الْقَصْرِ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى ، فَقَوْلُهُ وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَشَرًا مِثْلَهُمْ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا تَقْتَضِيَ كَلِمَةُ إنَّمَا نَفْيَ غَيْرِ الْمَذْكُورِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُورُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُورَ عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى { إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } إنَّمَا هُوَ الْبَشَرِيَّةُ لَا غَيْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلِمَةَ إنَّمَا فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِقَصْرِ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ دُونَ الْعَكْسِ لَا مَحَالَةَ . وَقَوْلُهُ وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَشَرًا مِثْلَهُمْ يَبْتَنِي عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ الْعَكْسُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ قَطْعًا ( قَوْلُهُ وَأَمَّا التَّرْتِيبُ فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الشَّرِيكُ أَحَقُّ مِنْ الْخَلِيطِ ، وَالْخَلِيطُ أَحَقُّ مِنْ الشَّفِيعِ } ، فَالشَّرِيكُ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ وَالْخَلِيطُ فِي حُقُوقِ الْمَبِيعِ وَالشَّفِيعُ هُوَ الْجَارُ ) قَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ : فَسَّرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الشَّرِيكَ بِمَنْ كَانَ شَرِيكًا فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ ، وَالْخَلِيطَ بِمَنْ كَانَ شَرِيكًا فِي حُقُوقِ الْمَبِيعِ وَهُمَا فِي اللُّغَةِ سَوَاءٌ ا هـ . وَاقْتَفَى أَثَرَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ . أَقُولُ : إنْ كَانَ مُرَادُهُمَا مُؤَاخَذَةَ الْمُصَنِّفِ بِتَفْسِيرِهِ الْمَزْبُورِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ ظَاهِرِ لَفْظِهِمَا فَالْجَوَابُ هَيِّنٌ ، فَإِنَّهُ لَمَّا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ { الشَّرِيكُ أَحَقُّ مِنْ الْخَلِيطِ } عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرِيكِ هُنَاكَ غَيْرُ الْخَلِيطِ ، إذْ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الشَّيْءِ أَحَقَّ مِنْ نَفْسِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُحْمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى نَوْعٍ مِمَّا أُطْلِقَ عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ وَالْآخَرُ عَلَى نَوْعٍ آخَرَ مِنْهُ . ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ مَزِيَّةُ الشَّرِكَةِ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ عَلَى الشَّرِيكِ فِي حُقُوقِ الْمَبِيعِ أَظْهَرَ وَأَجْلَى فَسَّرَ الْمُفَضَّلَ بِالْأَوَّلِ وَالْمُفَضَّلَ عَلَيْهِ بِالثَّانِي وَلَمْ يَعْكِسْ فَلَا غُبَارَ عَلَيْهِ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية