الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5749 5750 5751 5752 5754 5755 5756 ص: حدثنا فهد بن سليمان بن يحيى ، قال : ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني ، قال : ثنا سفيان ، بن عيينة ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد ، أن رسول الله -عليه السلام - قال : "إنما الربا في النسيئة " .

                                                حدثنا نصر بن مرزوق ، قال : ثنا الخصيب بن ناصح ، قال : ثنا حماد ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، عن أسامة ، عن رسول الله -عليه السلام - مثله .

                                                حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : ثنا خالد -هو ابن عبد الله الواسطي - عن خالد -هو الحذاء - عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد ، عن رسول الله -عليه السلام - قال : " لا ربا إلا في النسيئة " .

                                                حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون ، قال : ثنا الوليد ، عن الأوزاعي ، عن عطاء : " ، أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس - رضي الله عنهم - فقال : أرأيت قولك في الصرف يعني الذهب بالذهب بينهما فضل ، أشيء سمعته من رسول الله -عليه السلام - أو شيء وجدته في كتاب الله -عز وجل - ؟ فقال ابن عباس : أما كتاب الله فلا أعلمه ، وأما رسول الله -عليه السلام - فأنتم أعلم به ، ولكن حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله -عليه السلام - قال : إنما الربا في النسيئة " .

                                                [ ص: 265 ] حدثنا يونس ، قال : أخبرني عبد الله بن نافع ، عن داود بن قيس ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، قال : "قلت لابن عباس : : أرأيت الذي تقول : الدينارين بالدينار والدرهمين بالدرهم ؟ أشهد سمعت رسول الله -عليه السلام - يقول : الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما ، فقال ابن عباس : : أنت سمعت هذا من رسول الله -عليه السلام - ؟ فقلت : نعم ، قال : فإني لم أسمع هذا ، إنما أخبرنيه أسامة بن زيد قال أبو سعيد : : ونزع عنها ابن عباس " .

                                                حدثنا ابن أبي داود ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أنا قيس -هو ابن الربيع - عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي صالح السمان ، قال : "قلت لأبي سعيد : : أنت تنهى عن الصرف ، وابن عباس يأمر به ؟ ! فقال : لقد لقيت ابن عباس فقلت : ما هذا الذي نفتي به في الصرف أشيء وجدته في كتاب الله أو سمعته من رسول الله -عليه السلام - ؟ ! قال : أنتم أقدم صحبة لرسول الله -عليه السلام - مني ، وما أقرأ من القرآن إلا ما تقرءون ، ولكن أسامة بن زيد : حدثني أن رسول الله -عليه السلام - قال : لا ربا إلا في النسيئة " .

                                                التالي السابق


                                                ش: هذه ستة طرق :

                                                الأول : رجاله رجال الصحيح ما خلا فهدا .

                                                وأخرجه مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم وعمرو الناقد ، وابن أبي عمر - واللفظ لعمرو - قال إسحاق : أنا ، وقال الآخرون : ثنا -سفيان بن عيينة ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، سمع ابن عباس يقول : أخبرني أسامة بن زيد ، عن النبي -عليه السلام - قال : "إنما الربا في النسيئة " .

                                                وأخرجه النسائي : عن عمرو بن علي ، عن سفيان بن عيينة ، نحوه .

                                                الثاني : إسناده صحيح أيضا ، عن نصر بن مرزوق . . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه أبو يعلى والبزار في "مسنديهما " .

                                                [ ص: 266 ] الثالث : أيضا صحيح ، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن عمرو بن عون الواسطي البزاز ، شيخ البخاري في كتاب الصلاة ، عن خالد الطحان ، عن خالد الحذاء . . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه أحمد في "مسنده " : ثنا إسماعيل ، قال : ثنا خالد الحذاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله -عليه السلام - : "إنما الربا في النسأ " .

                                                الرابع : أيضا صحيح ، عن محمد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني شيخ أبي داود والنسائي ، عن الوليد بن مسلم القرشي الدمشقي ، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، عن عطاء بن أبي رباح المكي ، عن أبي سعيد الخدري سعد بن مالك .

                                                وأخرجه مسلم : ثنا الحكم بن موسى ، قال : ثنا هقل ، عن الأوزاعي ، قال : حدثني عطاء بن أبي رباح : "أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس ، فقال له : أرأيت قولك في الصرف ، أشيئا سمعته من رسول الله -عليه السلام - أم شيئا وجدته في كتاب الله -عز وجل - ؟ قال ابن عباس : كلا ، لا أقول ، أما رسول الله -عليه السلام - فأنتم أعلم به ، وأما كتاب الله فلا أعلمه ، ولكن حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله -عليه السلام - قال : ألا إنما الربا في النسيئة " .

                                                الخامس : أيضا صحيح ، عن يونس بن عبد الأعلى . . . . إلى آخره .

                                                قوله : "ونزع عنها ابن عباس " أي هذه الفتيا التي كان يفتي بها ، وقد عقد الطبراني في "معجمه الكبير " لذلك بابا فقال : باب البيان في نسخ ذلك ورجوع ابن عباس عن الصرف ونهيه عنه ، ثم أخرج فيه أحاديث منها ما رواه عن علي بن عبد العزيز قال : ثنا أبو نعيم ، ثنا عبد السلام بن حرب ، عن مغيرة -يعني ابن [ ص: 267 ] مقسم - عن عبد الرحمن بن أبي نعم : "أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس ، فشهد على رسول الله -عليه السلام - أنه قال : الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلا بمثل ، فمن زاد فقد أربى . فقال ابن عباس : أتوب إلى الله تعالى مما كنت آمر به ، ثم رجع " .

                                                وقال البزار في "مسنده " : وحديث أسامة الذي روي في ذلك لا نعلم أحدا قال به إلا الناقل له ، وقد أنكر أبو سعيد الخدري كل ذلك على ابن عباس وحدثه في ذلك بما توقف عنه ابن عباس في ذلك الوقت برواية أبي سعيد عن النبي -عليه السلام - ، ولا نعلم أحدا بعد من فقهاء الأمصار في جميع الأقطار قال بحديث أسامة .

                                                السادس : عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن عمرو بن عون الواسطي ، عن قيس بن الربيع الكوفي ، فيه مقال ، عن حبيب بن أبي ثابت دينار ، عن أبي صالح ذكوان الزيات . . . . إلى آخره .

                                                وأخرجه الطبراني : ثنا الحسين بن علي اليعمري ، قال : ثنا القاسم بن عيسى الطائي ، ثنا هشيم ، عن سهل بن سالم ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي صالح ذكوان : "أنه سأل ابن عباس عن بيع الذهب والفضة فقال : هو حلال بزيادة أو نقصان إذا كان يدا بيد . قال أبو صالح : فسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك فقال : هو حرام إلا مثلا بمثل ، فأخبرت أبا سعيد بما قال ابن عباس وأخبرت ابن عباس بما قال أبو سعيد ، فالتقيا وأنا معهما ، فابتدأه أبو سعيد فقال : يا ابن عباس ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب والفضة تأمرهم أن يشتروه بنقصان أو زيادة ويدا بيد ؟ ! فقال ابن عباس : ما أنا أقدمكم صحبة لرسول الله -عليه السلام - وهذا أسامة بن زيد والبراء بن عازب يقولان : سمعنا النبي -عليه السلام - " .

                                                قوله : "في النسيئة " أي إنما الربا حاصل في النسيئة ، وهي البيع إلى أجل معلوم ، يريد أن بيع الربويات بالتأخير من غير تقابض هو الربا ، وإن كان بغير زيادة ، وأصلها من نسأت الشيء : أخرته ، وكذلك أنسأته ، فعلت وأفعلت بمعنى .

                                                [ ص: 268 ] والنساءة -بضم النون : التأخير ، وكذلك النسيئة على وزن فعيلة ، تقول : نسأته البيع وأنسأته وبعته بنساءة وبعته بكلأة أي بأخرة ، وكذلك بعته بنسيئة أي بأخرة ، وقد ذكره الجوهري في نسأ مهموز ، ثم هذه العبارة تقتضي أن تقتصر حرمة الربا في النسيئة ; لأنه ذكرها بأداة القصر ، فتقتضي جواز بيع الربويات متفاضلة مع التقابض كما ذهب إليه ابن عباس وطائفة من أهل العلم ، كما نذكره إن شاء الله تعالى ، ولكن المراد منه ربا القرآن الذي كان في النسيئة كما سيجيء مستقصى إن شاء الله .

                                                وقال عياض : جاء في رواية مسلم : "الربا في النسيئة " وفي بعض طرقه : "إنما الربا في النسيئة " ، وفي بعض طرقه : "لا ربا فيما كان يدا بيد " .

                                                وروى البخاري : "لا ربا إلا في النسيئة " .

                                                فإن قيل : كيف الوجه في بناء هذه الأحاديث مع قوله : "الذهب بالذهب . . . . الحديث " . وفي آخره : "مثلا بمثل ، سواء بسواء ، يدا بيد " فقد أثبت الربا مع كونه يدا بيد وهذا يمنع من حمله على أن المراد به النسيئة ، حتى يكون مطابقا لما تعلق به ابن عباس .

                                                قيل : عنه ثلاثة أجوبة :

                                                الأول : معناه لا ربا ; لأنه العروض وما في معناها مما هو خارج عن الستة المنصوص عليها وعن ما يقاس عليه ، ولا شك أن العروض يدخلها الربا نسيئة .

                                                والثاني : أن يكون المراد الأجناس المختلفة من هذه الستة وأما ما في معناها فإنه لا ربا فيها إلا مع النسيئة ، فيحمل ما تعلق به ابن عباس على هذا ; حتى لا يكون بين الأحاديث تعارض .

                                                [ ص: 269 ] والثالث : أراد به إثبات حقيقة الربا ، وحقيقته أن يكون في الشيء نفسه ، وهو الربا المذكور في القرآن في قوله تعالى : وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لأنهم كانوا يقولون : إما أن تقضي أو تربي .

                                                قوله : "أرأيت " معناه : أخبرني .

                                                قوله : "أشيء سمعته " وقد جاء في رواية مسلم الوجهان الرفع والنصب .

                                                قوله : "أما كتاب الله فلا أعلمه " معناه لا أعلمه فيه مذكورا .




                                                الخدمات العلمية