الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                7073 7074 ص: حدثنا فهد ، قال : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : ثنا يونس بن محمد ، عن مفضل بن فضالة ، عن حبيب بن الشهيد ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر - رضي الله عنه - قال : " أخذ النبي -عليه السلام - بيد مجذوم ، فوضعها في القصعة ، وقال : بسم الله ، ثقة بالله وتوكلا على الله " .

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، قال : ثنا إسماعيل بن مسلم ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن رسول الله -عليه السلام - مثله .

                                                التالي السابق


                                                ش: هذان طريقان :

                                                الأول : غريب : عن فهد بن سليمان ، عن أبي بكر بن أبي شيبة -واسمه عبد الله بن محمد الحافظ الكوفي شيخ الشيخين وأبي داود وابن ماجه ، عن يونس بن محمد بن مسلم البغدادي المؤدب -روى له الجماعة - عن مفضل بن فضالة أبي مالك البصري ، فيه مقال ; فعن يحيى : ليس بذاك ، وعن ابن المديني : في حديثه نكارة ، وذكره ابن حبان في "الثقات " .

                                                عن حبيب بن الشهيد الأزدي البصري ، روى له الجماعة .

                                                وأخرجه الترمذي : ثنا أحمد بن سعيد الأشقر وإبراهيم بن يعقوب ، قالا : ثنا يونس بن محمد ، قال : ثنا المفضل بن فضالة . . . . إلى آخره نحوه متنا وسندا ، غير أن في لفظه : "فأدخله معه في القصعة " قال أبو عيسى : هذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمد ، عن المفضل بن فضالة ، هذا شيخ بصري ، والمفضل بن فضالة آخر ، شيخ مصري أوثق من هذا وأشهر .

                                                [ ص: 91 ] وأخرجه أبو داود وابن ماجه أيضا .

                                                الثاني : عن إبراهيم بن مرزوق ، عن محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري قاضي البصرة وشيخ البخاري ، عن إسماعيل بن مسلم المكي ، فيه مقال ; فعن أحمد : منكر الحديث . وعن ابن معين : لا شيء . وعن ابن المديني : ليس بشيء .

                                                وهو يروي عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي ، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - .

                                                قوله : "بيد مجزوم " وهو الذي أصابه الجذام ، قال ابن سيده : سمي بذلك ; لتجذم الأصابع وتقطعها ، ورجل أجذم ومجذم : نزل به الجذام ، وقالت الأطباء : الجذام علة تحدث من انتشار السواد في جميع البدن ، فيفسد مزاج الأعضاء وهيأتها وربما تقرح .

                                                فإن قيل : قد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ، عن النبي -عليه السلام - : "فر من المجذوم فرارك من الأسد " .

                                                وأخرج أبو نعيم أيضا من حديث أبي هريرة ، عن النبي -عليه السلام - قال : "اتقوا المجذوم كما يتقى الأسد " .

                                                وفي حديث ابن عباس عنه -عليه السلام - : "فروا من الأجذم كما تفرون من الأسد " ، وفي رواية : "لا تديموا النظر إلى المجذومين " .

                                                وأخرج ابن حبان من حديث عمرو بن الشريد ، عن أبيه "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم ، فأرسل إليه النبي -عليه السلام - : إنا قد بايعناك فارجع " .

                                                [ ص: 92 ] وأخرج أبو نعيم أيضا من حديث الحسن بن عمارة ، عن أبيه ، عن أبي أوفى ، أن رسول الله -عليه السلام - قال : "كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمح أو رمحين " .

                                                وأخرج ابن ماجه من حديث فاطمة بنت الحسين ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "لا تديموا النظر إلى المجذوم " .

                                                وفي رواية عن فاطمة ، عن أبيها ، عن علي ترفعه ، فذكره .

                                                فهذه كلها تعارض حديث جابر - رضي الله عنه - .

                                                قلت : لا نسلم ذلك ; لأمور :

                                                الأول : أن حديث جابر لا يقاوم الأحاديث المذكورة ، والمعارضة لا تكون إلا مع التساوي .

                                                الثاني : على تقدير الصحة أن أخذه بيده ، وقوله : "كل بسم الله " ليس فيه أنه أكل معه ، وإنما أذن له ولم يأكل هو -عليه السلام - . ذكره الكلاباذي .

                                                الثالث : على تقدير أكله معه ; أراد أن يعلم أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها ، ولكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببا لإعدائه مرضه ، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب ; ففي حديث جابر ونحوه نفي ما كان يعتقده الجاهلي ، وأن ذلك يعدي بطبعه ، ولهذا قال في حديث آخر : "فمن أعدى الأول " وفي حديث أبي هريرة ونحوه أعلم أن الله جعل ذلك سببا لذلك ، فحذر من الضرر الذي يغلب وجوده عند وجوده بفعل الله تعالى ، أو يكون قاله لمن ضعفت نيته ، وحديث جابر يكون في حق من قويت نيته وزاد يقينه ، فيخاطب -عليه السلام - كل إنسان بما يليق حاله ، وهو -عليه السلام - يفعل الحالتين معا ، تارة بما فيه التسوية والتشريع ، وتارة بما يغلب عليه من القوة الإلهية ، وزعم النظام أن قوله : "فر من

                                                [ ص: 93 ] المجذوم
                                                " معارض لقوله : "لا عدوى" قال أبو بكر محمد بن الطيب : هذا جهل وحيف من قائله ; لأن قوله : "لا عدوى " مخصوص يراد به شيء دون شيء ، وإن كان الكلام ظاهره العموم فليس بمنكر أن يخص العموم بقول آخر ، أو استثناء فيكون قوله : "لا عدوى " المراد به إلا الجذام والبرص والجرب فكأنه قال : لا عدوى إلا ما كنت بينته لكم أن فيه عدوى فلا تناقض حينئذ .

                                                وقال الطبري : اختلف السلف في صحة هذا الحديث -أي حديث : "فر من المجذوم فرارك من الأسد" - فأنكر بعضهم أن يكون -عليه السلام - أمر بالبعد من ذي عاهة جذاما كان أو غيره ، قالوا : قد أكل مع مجذوم وأقعده معه ، وفعله أصحابه المهديون ، روى عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه : "أن وفد ثقيف أتوا أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - فأتى بطعام فدعاهم ، فتنحى رجل ، فقال : ما له ؟ قال : مجذوم ، فدعاه وأكل معه " . وكان ابن عمر وسلمان - رضي الله عنهم - يصنعان الطعام للمجذومين ويأكلان معهم ، وعن عكرمة : "أنه تنحى من مجذوم ، فقال له ابن عباس : لعله خير مني ومنك " .

                                                وعن عائشة : "أن امرأة سألتها . أكان رسول الله -عليه السلام - قال : فروا من المجذومين فراركم من الأسد ؟ فقالت عائشة كلا والله ، ولكنه قال : لا عدوى ، قال : فمن أعدى الأول ، وكان مولى لنا أصابه ذلك الداء ، فكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي " .

                                                قالوا : وقد أبطل -عليه السلام - العدوى .

                                                وقال آخرون : الخبر صحيح ، وقالوا : أمره -عليه السلام - بالفرار منه لنهيه عن النظر إليه .

                                                وقال محمد بن جرير : الصواب عندنا ما صح أنه لا عدوى وأنه لا يصيب نفسا إلا ما كتب عليها من الله ، لا ينبغي لذي صحة الدنو من الأجذم وذي العاهة التي يكرهها الناس لا أن ذلك حرام ، ولكن حذرا من أن يظن الصحيح إذ نزل به الداء أن ذلك أصابه لدنوه منه ، فيوجب له ذلك الدخول فيما نهى عنه وأبطله من أمر الجاهلية في العدوى ، وليس في أمره -عليه السلام - بالفرار من المجذوم خلاف لأكله معه ;

                                                [ ص: 94 ] لأنه كان يأمر بالأمر على جهة الندب أحيانا ، وعلى وجه الإباحة أحيانا ، ثم يترك فعله ; ليعلم أن نهيه لم يكن على وجه التحريم .




                                                الخدمات العلمية