الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                6164 6165 6166 ص: وقد روي في أمر القافة عن عائشة -رضي الله عنها - ما يدل على غير هذا :

                                                حدثنا ابن أبي داود ، قال : ثنا أصبغ بن الفرج ، قال : ثنا ابن وهب ، قال :

                                                [ ص: 528 ] أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عروة بن الزبير : ، أن عائشة -رضي الله عنها - زوج النبي -عليه السلام - أخبرته "أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء ، فمنه أن يجتمع الرجال العدد على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا ، وكن ينصبن على أبوابهن رايات ، فيطأها كل من دخل عليها ، فإذا حملت ووضعت حملها جمع لهم القافة ، فأيهم ألحقوه به صار أباه ودعي بأبيه لا يمتنع من ذلك ، فلما بعث الله -عز وجل - محمدا بالحق هدم نكاح أهل الجاهلية وأقر نكاح أهل الإسلام " .

                                                ففي هذا الحديث أن إثبات النسب بقول القافة كان من حكم الجاهلية ، وأن رسول الله -عليه السلام - هدم ذلك النكاح الذي كان يكون فيه ذلك الحكم ، وأقر الثاني على النكاح الذي لا يحتاج فيه إلى قول القافة ، وجعل الولد لأبيه الذي يدعيه ، فيثبت نسبه بذلك ، ونسخ الحكم المتقدم الذي كان الحكم فيه بقول القافة ، وقد كان أولاد البغايا الذين ولدوا في الجاهلية من ادعى أحدا منهم في الإسلام ألحق به .

                                                حدثنا يونس ، قال : أنا ابن وهب أن مالكا حدثه ، عن يحيى بن سعيد (ح).

                                                وحدثنا يونس ، نا أبي ، ثنا أنس ، عن يحيى بن سعيد -قال مالك في حديثه : عن سليمان بن يسار ، وقال أنس : أخبرني سليمان بن يسار : " أن عمر - رضي الله عنه - كان يليط أهل الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام ، فدل ذلك أنهم لم يكونوا يلحقون بهم بقول القافة ، فيكون قولهم كالبينة التي تشهد على ذلك ، فلو كان قولهم مستعملا في الإسلام كما كان مستعملا في الجاهلية إذا لم قالت عائشة : - رضي الله عنها - :إن ذلك مما هدم ، إذا كان يجب به علم أن الصبي ممن وطئ أمه من الرجال ، ففي نسخ ذلك دليل على أن قولهم لا يجب به حكم ثبوت النسب .

                                                التالي السابق


                                                ش: هذا في الحقيقة جواب آخر عما احتج به أهل المقالة الأولى ، بيانه أن حديث عائشة الذي احتج به هؤلاء منسوخ ، والدليل عليه ما روي عن عائشة أيضا ، لأن في حديثها هذا يخبر أن إثبات النسب بقول القافة ، كان من حكم الجاهلية ، وأنه -عليه السلام - هدم النكاح الذي كان يكون فيه الحكم بالقافة ، وأقر النكاح الذي لا يحتاج فيه إلى قول القافة ; فثبت بذلك انتساخ إثبات النسب بالقافة .

                                                [ ص: 529 ] ومما يدل على ذلك أيضا أنه -عليه السلام - حكم باللعان في قصة العجلاني ، ولم يؤخر حتى تضع ويرى الشبه .

                                                وأيضا فقد ذكر في قصة المتلاعنين : إن جاءت به على صفة كذا فهو لفلان ، ثم لم ينقض حكمه لما جاءت به على الصفة المكروهة ، ولا حدها ; فدل ذلك على أن الشبه غير معتبر .

                                                ثم إسناد حديث عائشة -رضي الله عنها - صحيح .

                                                وابن أبي داود إبراهيم البرلسي ، وأصبغ بن الفرج أبو عبد الله الفقيه القرشي الأموي مولى عبد العزيز بن مروان المصري وراق عبد الله بن وهب وشيخ البخاري ، وابن وهب هو عبد الله بن وهب .

                                                ويونس هو ابن يزيد الأيلي ، روى له الجماعة .

                                                وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري .

                                                وأخرجه البخاري بأتم منه من حديث عائشة : "أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء ، فنكاح منها نكاح الناس اليوم : يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها ، ونكاح آخر : كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه ، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب ، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع ، ونكاح آخر : يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم ، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها ، فتقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت ، فهو ابنك يا فلان ، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع الرجل ،

                                                [ ص: 530 ] ونكاح رابع : يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة ، لا تمتنع ممن جاءها ، وهن البغايا ينصبن على أبوابهن الرايات وتكون علما ، فمن أرادهن دخل عليهن ، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ، ودعوا لها القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون ، فالتاط به ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك ، فلما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم "
                                                .

                                                وأخرجه أبو داود : ثنا أحمد بن صالح ، قال : ثنا عنبسة بن خالد ، قال : حدثني يونس بن يزيد ، قال : قال محمد بن مسلم بن شهاب :

                                                أخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة -رضي الله عنها - زوج النبي -عليه السلام - أخبرته : "أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء . . . . " إلى آخره نحوه ، إلا أنه قدم الرابع فجعله أولا .

                                                قوله : "أنحاء " جمع نحو ، وأراد به على أربعة ضروب .

                                                قوله : "من طمثها " أي من حيضها .

                                                قوله : "فاستبضعي منه " من الاستبضاع وهو استفعال من البضع وهو الجماع ، والبضع يطلق على عقد النكاح والجماع معا ، وعلى الفرج .

                                                قوله : "يجتمع الرهط " قال أبو عبيدة : هو ما دون العشرة من الناس وكذلك النفر ، وقيل : من ثلاثة إلى عشرة ، وقال غيره : الرهط من الرجال ما دون العشرة لا يكون فيهم امرأة قال الله تعالى : وكان في المدينة تسعة رهط وليس له واحد من لفظه كذود وقيل : هو من ثلاثة إلى الأربعين ولا يكون فيهم امرأة .

                                                قوله : "وهن البغايا " جمع بغي ، وهي الزانية .

                                                قوله : "فالتاط به " أي استلحقه ، من اللوط وهو الإلصاق .

                                                قوله : وقد كان أولاد البغايا . . . . " إلى آخره ذكره تأييدا لقوله : "إن إثبات النسب بقول القافة كان من حكم الجاهلية ، ولم يبق له حكم في الإسلام .

                                                [ ص: 531 ] قوله : "حدثنا يونس . . . . " إلى آخره ، بيان لقوله : "وقد كان أولاد البغايا " .

                                                وأخرجه من طريقين صحيحين :

                                                الأول : عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن مالك بن أنس ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة ، عن سليمان بن يسار المدني .

                                                الثاني : عن يونس أيضا ، عن أنس بن عياض بن ضمرة المدني ، عن يحيى بن سعيد ، عن سليمان بن يسار .

                                                قوله : "كان يليط " من ألاط إلاطة إذا ألصق ، والظاهر أنه من لاط يليط وهو يتعدى بنفسه ، وجاء لاط يلوط ، ومنه حديث أشراط الساعة : "وليقومن وهو يلوط حوضه " ، وفي رواية "يليط حوضه" والله أعلم .




                                                الخدمات العلمية