الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                6162 6163 ص: حدثنا يونس ، قال : ثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : " دخل مجزز المدلجي ، على رسول الله -عليه السلام - ، فرأى أسامة 5 وزيدا ، عليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما ، فقال : إن هذه الأقدام بعضها من بعض ، فدخل رسول الله -عليه السلام - مسرورا " .

                                                حدثنا يونس ، قال : ثنا شعيب بن الليث ، عن أبيه ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أنها قالت : " دخل علي رسول الله -عليه السلام - مسرورا تبرق أسارير وجهه ، فقال : ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة 5 وأسامة بن زيد ، فقال : إن بعض هذه الأقدام لمن بعض ؟ " .

                                                التالي السابق


                                                ش: هذان إسنادان صحيحان ورجالهما كلهم رجال الصحيح .

                                                الأول : عن يونس بن عبد الأعلى ، عن سفيان بن عيينة ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن عروة بن الزبير .

                                                وأخرجه الجماعة : فالبخاري عن قتيبة ، عن الليث . . إلى آخره .

                                                وأخرجه مسلم : عن يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح وقتيبة ، كلهم عن الليث .

                                                وأبو داود : عن مسدد وعثمان بن أبي شيبة وابن السرح ، عن سفيان ، عن الزهري ، به .

                                                [ ص: 524 ] والترمذي : عن قتيبة ، عن الليث ، عن ابن شهاب ، به .

                                                والنسائي : عن قتيبة عن ليث ، وعن إسحاق بن إبراهيم عن سفيان ، جميعا عن الزهري ، نحوه .

                                                وابن ماجه : عن أبي بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار ومحمد بن الصباح ، عن سفيان ، عن الزهري .

                                                قوله : "دخل مجزز " بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي الأولى ، وهو مجزز بن الأعور بن جعدة بن معاذ بن غثوارة بن عمرو بن مدلج الكناني المدلجي ، وإنما قيل له : مجزز ، لأنه كان كلما أسر أسيرا جز ناصيته ، وهو معدود في الصحابة .

                                                قوله : "تبرق أسارير وجهه " يعني الخطوط التي في جبهته مثل التكسر ، واحدها سر وسرر ، والجمع أسرار ، وأسارير جمع الجمع ، قال القاضي : ومعنى ذلك مثل قوله في الرواية الأخرى : مسرورا ، لأن المسرور ينطلق وجهه ويجري ماء البشر فيه ويحسن ، بخلاف المقطب والحزين .

                                                وقال ابن الأثير : الأسارير : الخطوط التي تجتمع في الجبهة وتتكسر ، واحدها سر وسرر ، وجمعها أسرار وأسره ، وجمع الجمع أسارير .

                                                ثم سبب هذا ما ذكره المحدثون : أنه كانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة لكونه أسود شديد السواد ، وكان زيد أبوه أبيض من القطن ، كذا ذكره أبو داود عن أحمد بن صالح ، فلما قضى هذا القائف بإلحاق هذا النسب مع اختلاف اللون ، وكانت الجاهلية تصغي إلى قول القافة ; سر بذلك -عليه السلام - لكونه كافا لهم عن الطعن فيه .

                                                [ ص: 525 ] وقال القاضي : قال غير أحمد : كان زيد أزهر اللون ، وكان أسامة شديد الأدمة ، وزيد بن حارثة عربي صريح من كلب ، أصابه سباء فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد ، فوهبته للنبي -عليه السلام - فتبناه ، فكان يدعى زيد بن محمد ، حتى نزلت : ادعوهم لآبائهم فقيل : زيد بن حارثة ، وابنه أسامة أمه أم أيمن بركة وتدعى أم الظباء مولاة عبد الله بن عبد المطلب ورابة النبي -عليه السلام - ، ولم يقل أحد أنها كانت سوداء إلا أن أحمد بن سعيد الصدفي ذكر في تاريخه من رواية عبد الرزاق ، عن ابن سيرين : "أن أم أيمن هذه كانت سوداء فلهذا خرج أسامة ، لكن لو كان هذا صحيحا لم ينكر الناس لونه لمعرفتهم أسامة ، إذ لا ينكر أن يلد الأبيض أسود من سوداء .

                                                وقد نسبها الناس فقالوا : أم أيمن بركة بنت حصين بن ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سليمان بن عمرو بن النعمان .

                                                وذكر مسلم في كتاب الجهاد : عن ابن شهاب أن أم أيمن كانت من الحبش وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب أبي النبي -عليه السلام - ، وكذا ذكر الواقدي .

                                                وأما زوجها عبيد قبل ذلك فكان حبشيا ، إلا أن يكون معنى قول ابن شهاب : حبشية : أي من مهاجرة الحبشة فيحتمل ; فقد كانت منهن كما قال عمر -رضي الله عنه - لأسماء بنت عميس : الحبشية هذه .

                                                والمعروف أنه كانت للنبي -عليه السلام - بركة أخرى حبشية ، كانت تخدم أم حبيبة ، فلعله اختلط أمرهما لاشتباه اسمهما ، وقد قال أبو عمر بن عبد البر : وأظنها أم أيمن .

                                                وذكر بعض المؤرخين أن أم أيمن هذه من سبي حبش أبرهة صاحب الفيل ، لما انهزم عن مكة أخذها عبد المطلب ، من فل عسكره ، والله أعلم .

                                                وهذا يؤكد أيضا ما ذكره ابن سيرين .




                                                الخدمات العلمية