الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5794 ص: قال أبو جعفر -رحمه الله - : فذهب قوم إلى أن القلادة إذا كانت كما ذكرنا لم يجز أن تباع بالذهب ; لأن ذلك الثمن وهو ذهب يقسم على قيمة الخرز وعلى الذهب ، فيكون كل واحد منهما مبيعا بما أصابه من الثمن ، كالغرضين يباعان بذهب ، فكل واحد منهما مبيع بما أصاب قيمته من ذلك الذهب .

                                                قالوا : فلما كان ما يصيب الذهب الذي في القلادة إنما يصيبه الحزر والظن ، وكان الذهب لا يجوز أن يباع بالذهب إلا مثلا بمثل ; لم يجز البيع إلا أن يعلم أن ثمن الذهب الذي في القلادة مثل وزنه من الذهب الذي اشتريت به القلادة ، ولا يعلم بقسمة الثمن ، إنما يعلم بأن يكون على حدة بعد الوقوف على وزنه ، وذلك غير موقوف عليه إلا بعد أن يفصل من القلادة .

                                                [ ص: 295 ] قالوا : فلا يجوز بيع هذه القلادة بالذهب إلا بعد أن يفصل ذهبها منها ; لما قد ذكرنا عن رسول الله -عليه السلام- ; ولما احتججنا به من النظر .

                                                التالي السابق


                                                ش: أراد بالقوم هؤلاء : سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وشريحا القاضي ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور -رحمهم الله - فإنهم قالوا : بيع القلادة إذا كانت على الصفة المذكورة لا يجوز إلا بعد أن يفصل ذهبها منها .

                                                وقال عياض : حكم ما كان من الحلي منظوما : أن يفصل ويباع على الانفراد ذهبه وعرضه ، ولا يجمعان في عقد واحد على مذهب مالك إلا أن يكون ما مع الذهب تبعا أو ما مع العروض من الذهب تبعا ، فيباع بخلاف ذلك من العين ، ولا يجوز أن يباع بما فيه من العين ، فإن كان مصوغا بالعرض مربوطا به لا يفصل منه إلا بفساد أو نفقة ومؤنة ، فإن كان مما لا يجوز اتخاذه كان حكمه حكم ما تقدم ، وإن كان مما يجوز اتخاذه كحلي النساء والمصحف والسيف والخاتم وجميع آلة الحرب على خلاف عندنا فيما عدا السيف يجوز بيعه ، بخلاف ما فيه من العين ناجزا كيف كان من قلة ما فيه من العين أو كثرته ، ويجري في بيعه مجرى الصرف مما يحل ويحرم ، وأما بيعه بجنس ما فيه من العين فيجوز إذا كان فيه من العين تبعا الثلث فأدنى نقدا عند مالك وجمهور أصحابه وكافة العلماء .

                                                وروي عن عمر وابن عمر منع ذلك ، وروي عن جماعة من السلف ، وقاله محمد بن عبد الحكم من أصحابنا ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق .

                                                ولو كان ما في السيف من ذلك مموها بالذهب أو الفضة ومسبوكا فيه مستهلكا كان تبعا بكل حال ، وجاز بيعه كيف ما كان ، وعلى هذا قاس شيوخنا جواز بيع الثياب المعلمة بالذهب إذا كان فيها من الذهب الثلث من قيمتها فأدنى بالدنانير نقدا ، أو بالدنانير والدراهم نسيئة ، قال الإمام أبو عبد الله : مذهب مالك أن الذهب إذا كان معه سلعة فلا يجوز بيعها بذهب ، وكذلك إذا كانت فضة وسلعة

                                                [ ص: 296 ] فلا يجوز بيعها بفضة ; لأن ذلك يؤدي إلى التفاضل بين الذهبين ، والذهب المنفرد جميع أجزائه مقابلة للذهب والسلعة ، فلم يقع التماثل ، ولا بيع الذهب بمثله سواء بسواء ولكن مالكا استثنى السيف المحلى إذا كانت حليته تبعا له ; أن يباع بالفضة ، وإن كان حليته فضة انتهى .

                                                وقال ابن حزم في "المحلى " : فإن كان مع الذهب شيء غيره أي شيء كان من فضة أو من غيرها ممزوج به أو مضاف فيه أو مجموع إليه في دنانير أو في غيرها لم يحل بيعه مع ذلك الشيء ولا دونه بذهب أصلا ، لا بأكثر من وزنه ولا بأقل ولا بمثله إلا حتى يخلص الذهب وحده خالصا ، وكذلك إن كان مع الفضة شيء غيرها كصفر أو ذهب أو غيرهما ممزوج بها أو ملصق معها أو مجموع إليها لم يحل بيعها مع ذلك الشيء ولا دونه بفضة أصلا ، دراهم كانت أو غير دارهم لا بأكثر من وزنها ولا بأقل ولا بمثل وزنها إلا حتى تخلص الفضة وحدها خالصة ، سواء في كل ما ذكرنا السيف المحلى والمصحف المحلى والخاتم فيه الفص والحلي فيه الفصوص والفضة المذهبة والدنانير فيها خلط صفر أو الفضة أو الدراهم فيها خلط ما ، ولا ربا في غير ما ذكرنا أصلا . انتهى .

                                                وقال ابن قدامة : وإن باع شيئا فيه الربا بعضه ببعض ومعهما أو مع إحداهما من غير جنسه ، وصورتها أن يبيع مدا ودرهما بمدين ، أو بمد ودرهم ، أو بدرهمين ، أو يبيع شيئا محلى بجنس ما عليه ، فالمذهب أنه لا يجوز ; نص عليه أحمد .

                                                وقال ابن أبي موسى في السيف المحلى بالمنطقة والمراكب المحلاة بجنس ما عليها : لا يجوز قولا واحدا .

                                                وذكر المتأخرون رواية أخرى : أنه يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره ، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه .

                                                [ ص: 297 ] قوله : "نصيبه بالحزر " بالحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة ثم راء مهملة - : وهو الظن والحسبان .

                                                قوله : "وكان المذهب " الواو فيه للحال .

                                                قوله : "لما قد ذكرنا " اللام فيه مكسورة وهي للتعليل ، وكذا اللام في قوله : "ولما احتججنا " .




                                                الخدمات العلمية