الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                6149 ص: وقال أبو جعفر : -رحمه الله - : ففي هذا الحديث بيع الحر في الدين ، وقد كان ذلك في أول الإسلام يباع من عليه دين فيما عليه من الدين إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه ، حتى نسخ الله -عز وجل - من الدين ; فقال : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وقضى رسول الله -عليه السلام - بذلك في الذي ابتاع الثمار فأصيب فيها ، فكثر

                                                [ ص: 507 ] دينه ، فقال رسول الله -عليه السلام - : "تصدقوا عليه ، فتصدق عليه ، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه ، فقال رسول الله -عليه السلام - : خذوا ما وجد نفر ، وليس لكم إلا ذلك " .

                                                وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم من كتابنا هذا .

                                                ففي قول رسول الله -عليه السلام - لغرمائه : "ليس لكم إلا ذلك " دليل على أن لا حق لهم في بيعه ، ولولا ذلك لباعه كما باع سرقا في دينه لغرمائه ، وهذا قول أهل العلم جميعا .

                                                التالي السابق


                                                ش: كان بيع الحر بالدين جائزا في صدر الإسلام إذا لم يكن له مال يوفي ما عليه ; فلذلك باع -عليه السلام - سرقا لما استهلك أموال الناس وركبت عليه ديون ، ثم نسخ الله ذلك بقوله : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وعليه وقع الإجماع ، إلا ما روي عن الليث بن سعد أنه قال : يؤاجر الحر المعسر فيقضي دينه من أجرته .

                                                وقال الجصاص : ولا نعلم أحدا قال بمثل هذا القول إلا الزهري ; فإن الليث بن سعد روى عن الزهري قال : يؤاجر المعسر بما عليه من الدين حتى يقضي عنه .

                                                وقال ابن حزم في "المحلى " : وفي هذا خلاف قديم وحديث نورد -إن شاء الله - منه ما تيسر لإيراده ; ليعلم مدعي الإجماع فيما هو أخفى من هذا أنه كاذب .

                                                روينا من طريق محمد بن المثنى ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ومعاذ بن هشام الدستوائي -قال عبد الرحمن : ثنا همام بن يحيى ، وقال معاذ : ثنا أبي ، ثم اتفق هشام وهمام - كلاهما عن قتادة ، عن عبد الله بن بريدة : "أن رجلا باع نفسه فقضى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بأنه عبد كما أقر على نفسه ، وجعل ثمنه في سبيل الله -عز وجل - " هذا لفظ همام .

                                                وأما لفظ هشام : "فإنه أقر لرجل حتى باعه " واتفقا فيما عدا ذلك ، والمعنى واحد في كلا اللفظين .

                                                ومن طريق ابن أبي شيبة ، ثنا شريك ، عن جابر ، عن عامر الشعبي ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : "إذا أقر على نفسه بالعبودية فهو عبد " .

                                                ومن طريق سعيد بن منصور ، ثنا هشيم ، أنا المغيرة بن مقسم ، عن إبراهيم [ ص: 508 ] النخعي -فيمن ساق إلى امرأته رجلا حرا - فقال إبراهيم : "هو رهن بما جعل فيه حتى يفتك نفسه " .

                                                وعن زرارة بن أوفى قاضي البصرة من التابعين أنه باع حرا في دين ، وقد روينا هذا القول عن الشافعي وهي قولة غريبة لا يعرفها من أصحابه إلا من تبحر في الحديث والآثار ؟ . انتهى .

                                                ثم الكلام في قوله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة فنقول : فيه تأويلان :

                                                أحدهما : أن تكون "كان " من النواقص ويكون الخبر محذوفا تقديره : وإن كان ذو عسرة غريما لكم ، فنظرة أي فعليكم انتظاره إلى ميسرته .

                                                والثاني : أن تكون "كان " تامة بمعنى وجد ووقع ، أي : وإن وجد ذو عسرة فنظرة .

                                                وقد اختلف في حكم هذه الآية : فروي عن ابن عباس وشريح وإبراهيم أنه في الربا خاصة .

                                                وكان شريح يحبس المعسر في غيره من الديون .

                                                وروي عن إبراهيم والحسن والربيع بن خثيم والضحاك أنه في سائر الديون .

                                                وروي عن ابن عباس رواية أخرى مثل ذلك .

                                                وقال آخرون : إن الذي في الآية إنظار المعسر في الربا ، وسائر الديون في حكمه قياسا عليه .

                                                قلت : اللفظ عام يجب حمله على العموم ولا يقتصر به على الربا إلا بدلالة ; لما فيه من تخصيص لفظ العموم من غير دلالة .

                                                قوله : "وقضى رسول الله -عليه السلام - " ذكره شاهدا لصحة ما ذكره فيما قبله ، وقد تقدم ذكر هذا في باب .

                                                قوله : "وهذا قول أهل العلم جميعا " أي نسخ بيع الحر في الدين ، وإنظار المعسر إلى وقت الميسرة هو قول [أهل] العلم جميعا ، ولا خلاف فيه اليوم ، والله أعلم .




                                                الخدمات العلمية