الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ( 4 ) ) .

قوله تعالى : ( بما أنزل إليك ) وما هاهنا بمعنى الذي ولا يجوز أن تكون نكرة موصوفة أي بشيء أنزل إليك لأنه لا عموم فيه على هذا ولا يكمل الإيمان إلا أن يكون بجميع ما أنزل إلى النبي وما للعموم وبذلك يتحقق الإيمان .

والقراءة الجيدة أنزل إليك ، بتحقيق الهمزة . وقد قرئ في الشاذ ( أنزل إليك ) بتشديد اللام .

والوجه فيه أنه سكن لام أنزل ، وألقى عليها حركة الهمزة فانكسرت اللام وحذفت الهمزة فلقيتها لام إلى فصار اللفظ بما ( أنزل ليك ) ، فسكنت اللام الأولى ، وأدغمت في اللام الثانية ، والكاف هنا ضمير المخاطب ، وهو النبي ، ويجوز أن يكون ضمير الجنس المخاطب ، ويكون في معنى الجمع ، وقد صرح به في آي أخر كقوله : ( لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ) [ الأنبياء : 10 ] .

قوله تعالى : ( وبالآخرة ) الباء متعلقة بـ ( يوقنون ) ، ولا يمتنع أن يعمل الخبر فيما قبل المبتدأ ، وهذا يدل على أن تقديم الخبر على المبتدأ جائز ، إذ المعمول لا يقع في موضع لا يقع فيه العامل ، والآخرة صفة ، والموصوف محذوف ، تقديره : وبالساعة الآخرة ، أو بالدار الآخرة كما قال : ( وللدار الآخرة خير ) وقال : ( واليوم الآخر ) [ البقرة : 62 ، 126 ، 177 ] .

[ ص: 24 ] قوله تعالى : ( هم يوقنون ) هم مبتدأ ذكر على جهة التوكيد ، ولو قال وبالآخرة يوقنون لصح المعنى ، والإعراب ، ووجه التوكيد في هم تحقيق عود الضمير إلى المذكورين لا إلى غيرهم ، ويوقنون الخبر ، وأصله يؤيقنون ; لأن ماضيه أيقن ، والأصل أن يؤتى في المضارع بحروف الماضي ، إلا أن الهمزة حذفت لما ذكرنا في يؤمنون ، وأبدلت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها .

قال تعالى : ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ( 5 ) ) .

قوله تعالى : ( أولئك ) هذه صيغة جمع على غير لفظ واحده ، وواحده ذا ; ويكون أولئك للمؤنث والمذكر ، والكاف فيه حرف للخطاب وليست اسما ، إذ لو كانت اسما لكانت إما مرفوعة أو منصوبة ، ولا يصح شيء منهما ، إذ لا رافع هنا ولا ناصب ، وإما أن تكون مجرورة بالإضافة ، وأولاء لا تصح إضافته ; لأنه مبهم ، والمبهمات لا تضاف ، فبقي أن تكون حرفا مجردا للخطاب ، ويجوز مد أولاء وقصره في غير القرآن .

وموضعه هنا رفع بالابتداء ، و : ( على هدى ) الخبر ، وحرف الجر متعلق بمحذوف أي أولئك ثابتون على هدى ويجوز أن يكون أولئك خبر الذين يؤمنون بالغيب وقد ذكر .

فإن قيل : أصل على الاستعلاء ، والهدى لا يستعلى عليه ، فكيف يصح معناه هاهنا ؟ .

قيل معنى الاستعلاء حاصل ; لأن منزلتهم علت باتباع الهدى .

ويجوز أن يكون لما كانت أفعالهم كلها على مقتضى الهدى ، كان تصرفهم بالهدى كتصرف الراكب بما يركبه .

قوله تعالى : ( من ربهم ) في موضع جر صفة لهدى ، ويتعلق الجار بمحذوف تقديره هدى كائن ، وفي الجار والمجرور ضمير يعود على الهدى ، ويجوز كسر الهاء وضمها على ما ذكرنا في عليهم في الفاتحة .

قوله تعالى : ( وأولئك ) مبتدأ ، و : هم مبتدأ ثان و : ( المفلحون ) خبر المبتدأ الثاني ، والثاني وخبره خبر الأول .

ويجوز أن يكون هم فصلا لا موضع له من الإعراب ، والمفلحون خبر أولئك .

[ ص: 25 ] والأصل في مفلح مؤفلح ، ثم عمل فيه ما ذكرناه في يؤمنون .

التالي السابق


الخدمات العلمية