الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ) ( 113 ) .

قوله تعالى : ( ولتصغى ) : الجمهور على كسر اللام ، وهو معطوف على " غرورا " ؛ أي : ليغروا ولتصغى .

[ ص: 398 ] وقيل : هي لام القسم كسرت لما لم يؤكد الفعل بالنون .

وقرئ بإسكان اللام ، وهي مخففة لتوالي الحركات ، وليست لام الأمر ؛ لأنه لم يجزم الفعل ، وكذلك القول في : " وليرضوه وليقترفوا " .

و " ما " بمعنى الذي ، والعائد محذوف ؛ أي : وليقترفوا الذي هم مقترفوه ، وأثبت النون لما حذف الهاء .

قال تعالى : ( أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين ) ( 114 ) .

قوله تعالى : ( أفغير الله ) : فيه وجهان : أحدهما : هو مفعول أبتغي ، و " حكما " حال منه .

والثاني : أن حكما مفعول أبتغي ، و " غير " حال من حكما مقدم عليه .

وقيل : حكما تمييز . و ( مفصلا ) : حال من الكتاب . و ( بالحق ) : حال من الضمير المرفوع في " منزل " .

قال تعالى : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ) ( 115 ) .

قوله تعالى : ( صدقا وعدلا ) : منصوبان على التمييز ، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله ، وأن يكون مصدرا في موضع الحال .

( لا مبدل ) : مستأنف ، ولا يجوز أن يكون حالا من ربك ؛ لئلا يفصل بين الحال وصاحبها بالأجنبي ، وهو قوله : " صدقا وعدلا " ، إلا أن يجعل " صدقا وعدلا " حالين من ربك لا من الكلمات .

قال تعالى : ( إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) ( 117 ) .

قوله تعالى : ( أعلم من يضل ) في " من " وجهان : أحدهما : هي بمعنى الذي ، أو نكرة موصوفة ، بمعنى فريق ؛ فعلى هذا يكون في موضع نصب بفعل دل عليه " أعلم " لا بنفس " أعلم " ؛ لأن أفعل لا يعمل في الاسم الظاهر النصب ، والتقدير : يعلم من يضل ، ولا يجوز أن يكون " من " في موضع جر بالإضافة على قراءة من فتح الياء ؛ لئلا يصير التقدير : هو أعلم الضالين ؛ فيلزم أن يكون سبحانه ضالا ، تعالى عن ذلك .

[ ص: 399 ] ومن قرأ بضم الياء فمن في موضع نصب أيضا على ما بينا ؛ أي : يعلم المضلين ، ويجوز أن يكون في موضع جر ، إما على معنى هو أعلم المضلين ؛ أي : من يجد الضلال ، وهو من أضللته ؛ أي : وجدته ضالا ، مثل : أحمدته ، وجدته محمودا ، أو بمعنى أنه يضل عن الهدى . والوجه الثاني : أن " من " استفهام في موضع مبتدأ ، و " يضل " الخبر ، وموضع الجملة نصب بـ " يعلم " المقدرة ، ومثله : ( لنعلم أي الحزبين أحصى ) [ الكهف : 12 ] .

قال تعالى : ( وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ) ( 119 ) .

قوله تعالى : ( وما لكم ) : " ما " استفهام في موضع رفع بالابتداء ، و " لكم " الخبر .

و ( ألا تأكلوا ) : فيه وجهان : أحدهما : حرف الجر مراد معه ؛ أي : في أن لا تأكلوا ، ولما حذف حرف الجر كان في موضع نصب ، أو في موضع جر على اختلافهم في ذلك . وقد ذكر في غير موضع .

والثاني : أنه في موضع الحال ؛ أي : وأي شيء لكم تاركين الأكل ، وهو ضعيف ؛ لأن " أن " تمحض الفعل للاستقبال ، وتجعله مصدرا ، فيمتنع الحال إلا أن تقدر حذف مضاف تقديره : وما لكم ذوي أن لا تأكلوا . والمفعول محذوف ؛ أي : شيئا مما ذكر اسم الله عليه .

( وقد فصل ) : الجملة حال ؛ ويقرأ بالضم على ما لم يسم فاعله ، وبالفتح على تسمية الفاعل ، وبتشديد الصاد وتخفيفها ، وكل ذلك ظاهر .

( إلا ما اضطررتم ) : " ما " في موضع نصب على الاستثناء من الجنس من طريق المعنى ؛ لأنه وبخهم بترك الأكل مما سمي عليه ، وذلك يتضمن إباحة الأكل مطلقا ، وقوله : " وقد فصل لكم ما حرم عليكم " ؛ أي : في حال الاختيار ، وذلك حلال في حال الاضطرار .

قال تعالى : ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) ( 121 ) .

[ ص: 400 ] قوله تعالى : ( إنكم لمشركون ) : حذف الفاء من جواب الشرط ، وهو حسن إذا كان الشرط بلفظ الماضي ، وهو هنا كذلك ، وهو قوله : " وإن أطعتموهم " .

التالي السابق


الخدمات العلمية