الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( صم بكم عمي فهم لا يرجعون ) ( ( 18 ) ) .

قوله تعالى : ( صم بكم ) : الجمهور على الرفع ، على أنه خبر ابتداء محذوف ; أي هم صم ، وقرئ شاذا بالنصب على الحال من الضمير في يبصرون .

قوله تعالى : ( فهم لا يرجعون ) : جملة مستأنفة ; وقيل موضعها حال ، وهو خطأ ; لأن ما بعد الفاء لا يكون حالا ; لأن الفاء ترتب ، والأحوال لا ترتيب فيها .

( ويرجعون ) فعل لازم ; أي لا ينتهون عن باطلهم ، أو لا يرجعون إلى الحق .

[ ص: 35 ] وقيل : هو متعد ومفعوله محذوف ، تقديره : فهم لا يردون جوابا مثل قوله : ( إنه على رجعه لقادر ) ( ( 8 ) ) [ الطارق : 8 ] .

قال تعالى : ( أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين ( 19 ) ) .

قوله تعالى : ( أو كصيب ) : في " أو " أربعة أوجه : أحدها : أنها للشك ، وهو راجع إلى الناظر في حال المنافقين ; فلا يدري أيشبههم بالمستوقد ، أو بأصحاب الصيب ; كقوله : ( إلى مائة ألف أو يزيدون ) [ الصافات : 147 ] ; أي يشك الرائي لهم في مقدار عددهم . والثاني : أنها للتخيير أي شبهوهم بأي القبيلتين شئتم . والثالث : أنها للإباحة . والرابع : أنها للإبهام ; أي بعض الناس يشبههم بالمستوقد ، وبعضهم بأصحاب الصيب ، ومثله قوله تعالى : ( كونوا هودا أو نصارى ) [ البقرة : 135 ] ; أي قالت اليهود : كونوا هودا ، وقالت النصارى : كونوا نصارى ، ولا يجوز عند أكثر البصريين أن تحمل ( ( أو ) ) على الواو ، ولا على ( ( بل ) ) ، ما وجد في ذلك مندوحة ، والكاف في موضع رفع عطفا على الكاف في قوله : ( كمثل الذي ) .

ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف ، تقديره : أو مثلهم كمثل صيب .

وفي الكلام حذف تقديره : أو كأصحاب صيب وإلى هذا المحذوف يرجع الضمير من قوله : يجعلون . والمعنى على ذلك ; لأن تشبيه المنافقين بقوم أصابهم مطر فيه ظلمة ورعد وبرق لا بنفس المطر ، وأصل ( ( صيب ) ) صيوب على فيعل ; فأبدلت الواو ياء ، وأدغمت الأولى فيها ، ومثله : ميت وهين ، وقال الكوفيون : أصله صويب على فعيل وهو خطأ ; لأنه لو كان كذلك لصحت الواو كما صحت في طويل وعويل .

( من السماء ) : في موضع نصب . و ( من ) : متعلقة بصيب ; لأن التقدير : كمطر صيب من السماء ، وهذا الوصف يعمل عمل الفعل ، ومن لابتداء الغاية .

ويجوز أن يكون في موضع جر على الصفة لصيب ; فيتعلق من بمحذوف أي كصيب كائن من السماء .

والهمزة في السماء بدل من واو قلبت همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة ونظائره تقاس عليه . ( فيه ظلمات ) : الهاء تعود على صيب ، وظلمات رفع بالجار والمجرور ; [ ص: 36 ] لأنه قد قوي بكونه صفة لصيب . ويجوز أن يكون ظلمات مبتدأ وفيه خبر مقدم ، وفيه على هذا ضمير والجملة في موضع جر صفة لصيب ، والجمهور على ضم اللام وقد قرئ بإسكانها تخفيفا ، وفيه لغة أخرى بفتح اللام .

والرعد : مصدر رعد يرعد ، والبرق مصدر أيضا وهما على ذلك موحدتان هنا ، ويجوز أن يكون الرعد والبرق بمعنى الراعد والبارق ، كقولهم : رجل عدل وصوم .

( يجعلون ) : يجوز أن يكون في موضع جر صفة لأصحاب صيب ، وأن يكون مستأنفا ، وقيل يجوز أن يكون حالا من الهاء في فيه ، والراجع على الهاء محذوف ، تقديره : من صواعقه ; وهو بعيد لأن حذف الراجع على ذي الحال كحذفها من خبر المبتدأ ، وسيبويه يعده من الشذوذ . ( من الصواعق ) : أي من صوت الصواعق .

( حذر الموت ) : مفعول له . وقيل مصدر أي حذرا مثل حذر الموت .

والمصدر هنا مضاف إلى المفعول به .

( محيط ) : أصله محوط ; لأنه من حاط يحوط ، فنقلت كسرة الواو إلى الحاء فانقلبت ياء .

قال تعالى : ( يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ( 20 ) ) .

قوله تعالى : ( يكاد ) : فعل يدل على مقاربة وقوع الفعل بعدها ; ولذلك لم تدخل عليه أن ; لأن أن تخلص الفعل للاستقبال ، وعينها واو ، والأصل يكود ، مثل خاف يخاف ، وقد سمع فيه كدت ، بضم الكاف ، وإذا دخل عليها حرف نفي دل على أن الفعل الذي بعدها وقع ، وإذا لم يكن حرف نفي لم يكن الفعل بعدها واقعا ولكنه قارب الوقوع .

وموضع ( يخطف ) نصب لأنه خبر كاد ، والمعنى قارب البرق خطف الأبصار .

والجمهور على فتح الياء والطاء وسكون الخاء ، وماضيه خطف كقوله تعالى : ( إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ) [ الصافات : 10 ] وفيه قراءات شاذة : إحداها : كسر الطاء على أن ماضيه خطف بفتح الطاء . والثانية : بفتح الياء والخاء والطاء وتشديد الطاء ، والأصل : [ ص: 37 ] يختطف ، فأبدل من التاء طاء ، وحركت بحركة التاء ، والثالثة : كذلك إلا أنها بكسر الطاء على ما يستحقه في الأقل . والرابعة : كذلك ، إلا أنها بكسر الخاء أيضا على الإتباع .

والخامسة : بكسر الياء أيضا إتباعا أيضا . والسادسة : بفتح الياء وسكون الخاء وتشديد الطاء ، وهو ضعيف ; لما فيه من الجمع بين الساكنين . ( كلما ) : هي هنا ظرف ، وكذلك كل موضع كان لها جواب .

و ( ( ما ) ) مصدرية ; والزمان محذوف ; أي كل وقت إضاءة .

وقيل ( ( ما ) ) هنا نكرة موصوفة ، ومعناها الوقت والعائد محذوف أي كل وقت أضاء لهم فيه ، والعامل في كل جوابها . و ( فيه ) : أي في ضوئه . والمعنى بضوئه . ويجوز أن يكون ظرفا على أصلها .

والمعنى : إنهم يحيط بهم الضوء .

( شاء ) : ألفها منقلبة عن ياء ; لقولهم في مصدره : شئت شيئا ، وقالوا شيأته ; أي حملته على أن يشاء . ( لذهب بسمعهم ) : أي أعدم المعنى الذي يسمعون به . ( وعلى كل ) : متعلق بـ : ( ( قدير ) ) في موضع نصب .

التالي السابق


الخدمات العلمية