الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ) ( 108 ) .

قوله تعالى : ( من دون الله ) : حال من " الذين " أو من العائد عليها .

( فيسبوا ) : منصوب على جواب النهي ، وقيل : هو مجزوم على العطف ، كقولهم : لا تمددها فتشققها .

و ( عدوا ) : بفتح العين وتخفيف الدال ، وهو مصدر ، وفي انتصابه ثلاثة أوجه : أحدها : هو مفعول له . والثاني : مصدر من غير لفظ الفعل ؛ لأن السب عدوان في المعنى .

والثالث : هو مصدر في موضع الحال ، وهي حال مؤكدة ، ويقرأ بضم العين والدال وتشديد الواو ، وهو مصدر على فعول كالجلوس والقعود ، ويقرأ بفتح العين ، والتشديد ، وهو واحد في معنى الجمع ؛ أي : أعداء ، وهو حال .

: ( بغير علم ) : حال أيضا مؤكدة . ( كذلك ) : في موضع نصب صفة لمصدر محذوف ؛ أي : كما زينا لكل أمة عملهم زينا لهؤلاء عملهم .

قال تعالى : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) ( 109 ) .

قوله تعالى : ( جهد أيمانهم ) : قد ذكر في المائدة .

( وما يشعركم ) : " ما " استفهام في موضع رفع بالابتداء ، ويشعركم الخبر ، وهو يتعدى إلى مفعولين .

( أنها ) : يقرأ بالكسر على الاستئناف ، والمفعول الثاني محذوف .

[ ص: 396 ] تقديره : وما يشعركم إيمانهم . ويقرأ بالفتح وفيه ثلاثة أوجه : أحدها أن " أن " بمعنى " لعل " حكاه الخليل عن العرب ، وعلى هذا يكون المفعول الثاني أيضا محذوفا .

والثاني : أن " لا " زائدة ، فتكون " أن " وما عملت فيه في موضع المفعول الثاني .

والثالث : أن " أن " على بابها ، و " لا " غير زائدة ، والمعنى وما يدريكم عدم إيمانهم ، وهذا جواب لمن حكم عليهم بالكفر أبدا ، ويئس من إيمانهم ، والتقدير : لا يؤمنون بها ، فحذف المفعول .

قال تعالى : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) ( 110 ) .

قوله تعالى : ( كما لم يؤمنوا ) : " ما " مصدرية ، والكاف نعت لمصدر محذوف ؛ أي : تقليبا ككفرهم ؛ أي : عقوبة مساوية لمعصيتهم .

و ( أول مرة ) : ظرف زمان ؛ وقد ذكر . ( ونذرهم ) : يقرأ بالنون وضم الراء وبالياء كذلك ، والمعنى مفهوم .

ويقرأ بسكون الراء وفيه وجهان : أحدهما : أنه سكن لثقل توالي الحركات .

والثاني : أنه مجزوم عطفا على يؤمنوا ، والمعنى جزاء على كفرهم ، وأنه لم يذرهم في طغيانهم يعمهون بل بين لهم .

قال تعالى : ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ) ( 111 ) .

قوله تعالى : ( قبلا ) : يقرأ بضم القاف والباء وفيه وجهان : أحدهما : هو جمع قبيل مثل قليب وقلب . والثاني : أنه مفرد كقبل الإنسان ودبره ، وعلى كلا الوجهين هو حال من " كل " ، وجاز ذلك ، وإن كان نكرة لما فيه من العموم .

[ ص: 397 ] ويقرأ بالضم وسكون الباء على تخفيف الضمة .

ويقرأ بكسر القاف وفتح الباء ، وفيه وجهان أيضا : أحدهما : هو ظرف ، كقولك لي قبله حق . والثاني : مصدر في موضع الحال ؛ أي : عيانا أو معاينة .

( إلا أن يشاء الله ) : في موضع نصب على الاستثناء المنقطع ، وقيل : هو متصل ، والمعنى : ما كانوا ليؤمنوا في كل حال إلا في حال مشيئة الله تعالى .

قال تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ) ( 112 ) .

قوله تعالى : ( وكذلك ) : هو نعت لمصدر محذوف كما ذكرنا في غير موضع .

و ( جعلنا ) : متعدية إلى مفعولين . وفي المفعول الأول وجهان : أحدهما : هو " عدوا " . والثاني : " لكل نبي " و " شياطين " بدل من عدو .

والثاني : المفعول الأول شياطين ، وعدوا المفعول الثاني مقدم ، ولكل نبي صفة لعدو ، قدمت فصارت حالا .

( يوحي ) : يجوز أن يكون حالا من شياطين ، وأن يكون صلة لعدو ، وعدو في موضع أعداء . ( غرورا ) : مفعول له ، وقيل : مصدر في موضع الحال ، والهاء في ( فعلوه ) : يجوز أن تكون ضمير الإيحاء ، وقد دل عليه يوحى ، وأن تكون ضمير الزخرف أو القول أو الغرور .

( وما يفترون ) : " ما " بمعنى الذي ، أو نكرة موصوفة ، أو مصدرية ، وهي في موضع نصب عطفا على المفعول قبلها ، ويجوز أن تكون الواو بمعنى " مع " .

التالي السابق


الخدمات العلمية