الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال تعالى : ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ) ( 160 ) .

قوله تعالى : ( فبظلم ) : الباء تتعلق بحرمنا ، وقد ذكرنا حكم الفاء قبل . ( كثيرا ) : أي : صدا كثيرا ، أو زمانا كثيرا .

قال تعالى : ( وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ) ( 161 ) .

قوله تعالى : ( وأخذهم ) ، و ( أكلهم ) : معطوف على صدهم ، والجميع متعلق بحرمنا ، والمصادر مضافة إلى الفاعل . ( وقد نهوا عنه ) : حال .

قال تعالى : ( لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ) ( 162 ) .

قوله تعالى : ( لكن الراسخون ) : الراسخون : مبتدأ . و ( في العلم ) : متعلق به . و ( منهم ) : في موضع الحال من الضمير في " الراسخون " ( والمؤمنون ) : معطوف على [ ص: 309 ] الراسخون ، وفي خبر الراسخون وجهان : أحدهما : ( يؤمنون ) : وهو الصحيح . والثاني : هو قوله : " أولئك سنؤتيهم " . ( والمقيمين ) : قراءة الجمهور بالياء ، وفيه عدة أوجه : أحدها : أنه منصوب على المدح ؛ أي : وأعني المقيمين ، وهو مذهب البصريين ، وإنما يأتي ذلك بعد تمام الكلام . والثاني : أنه معطوف على ما ؛ أي : يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين ، والمراد بهم الملائكة . وقيل التقدير : وبدين المقيمين ، فيكون المراد بهم المسلمين . والثالث : أنه معطوف على قبل تقديره : ومن قبل المقيمين ، فحذف " قبل " ، وأقيم المضاف إليه مقامه . والرابع : أنه معطوف على الكاف في " قبلك " . والخامس : أنه معطوف على الكاف في " إليك " . والسادس : أنه معطوف على الهاء والميم في منهم ، وهذه الأوجه الثلاثة عندنا خطأ ؛ لأن فيها عطف الظاهر على المضمر من غير إعادة الجار .

وأما ( والمؤتون الزكاة ) : ففي رفعه أوجه : أحدها : هو معطوف على الراسخون . . والثاني : هو معطوف على الضمير في الراسخون . والثالث : هو معطوف على الضمير في المؤمنون . والرابع : هو معطوف على الضمير في يؤمنون . والخامس : هو خبر مبتدأ محذوف ؛ أي : وهم المؤتون . والسادس : هو مبتدأ ، والخبر ( أولئك سنؤتيهم ) .

وأولئك مبتدأ ، وما بعده الخبر ، ويجوز أن يكون في موضع نصب بفعل محذوف ؛ أي : ونؤتي أولئك .

قال تعالى : ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ) ( 163 ) .

قوله تعالى : ( كما أوحينا ) : الكاف نعت لمصدر محذوف ، وما مصدرية ، ويجوز أن تكون ما بمعنى الذي ، فيكون مفعولا به ؛ تقديره : أوحينا إليك مثل الذي أوحينا إلى نوح من التوحيد وغيره . و ( من بعده ) : في موضع نصب متعلق بأوحينا . ولا يجوز أن يكون حالا من النبيين ؛ لأن ظروف الزمان لا تكون أحوالا للجثث . ويجوز أن يتعلق " من " بالنبيين . وفي ( يونس ) : لغات ، أفصحها ضم النون من غير همز ، ويجوز فتحها وكسرها [ ص: 310 ] مع الهمز وتركه ، وكل هذه الأسماء أعجمية إلا الأسباط ، وهو جمع سبط ، والزبور فعول من الزبر ، وهو الكتابة والأشبه أن يكون فعول بمعنى مفعول كالركوب والحلوب ، ويقرأ بضم الزاي وفيه وجهان : أحدهما : هو جمع زبور على حذف الزائد مثل فلس وفلوس . والثاني : أنه مصدر مثل القعود والجلوس ، وقد سمي به الكتاب المنزل على داود .

قال تعالى : ( ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما ) ( 164 ) .

قوله تعالى : ( ورسلا ) : منصوب بفعل محذوف تقديره : وقصصنا رسلا . ويجوز أن يكون منصوبا بفعل دل عليه أوحينا ؛ أي : وأمرنا رسلا ؛ ولا عوض لقوله ( قد قصصناهم ) و " لم نقصصهم " على الوجه الأول ؛ لأنه مفسر للعامل ، وعلى الوجه الثاني هما صفتان . و ( تكليما ) : مصدر مؤكد رافع للمجاز .

قال تعالى : ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما ) ( 165 ) .

قوله تعالى : ( رسلا ) : يجوز أن يكون بدلا من الأول ، وأن يكون مفعولا ؛ أي : أرسلنا رسلا . ويجوز أن يكون حالا موطئة لما بعدها كما تقول : مررت بزيد رجلا صالحا ، ويجوز أن يكون على المدح ؛ أي : أعني رسلا . واللام في " لئلا " يتعلق بما دل عليه الرسل ؛ أي : أرسلناهم لذلك ، ويجوز أن تتعلق بمنذرين ، و ( على الله ) : حال من حجة ، والتقدير : للناس حجة كائنة على الله . ويجوز أن يكون الخبر على الله ، وللناس حال ، ولا يجوز أن يتعلق على الله بحجة ؛ لأنها مصدر . و ( بعد ) : ظرف لحجة . ويجوز أن يكون صفة لها ؛ لأن ظرف الزمان يوصف به المصادر كما يخبر به عنها .

قال تعالى : ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ) ( 166 ) .

قوله تعالى : ( أنزله ) : لا موضع له ، و ( بعلمه ) : حال من الهاء ؛ أي : أنزله معلوما ، أو أنزله وفيه علمه ؛ أي : معلومه . ويجوز أن يكون حالا من الفاعل ؛ أي : أنزله عالما به . ( والملائكة يشهدون ) : يجوز أن يكون لا موضع له ، ويكون حكمه كحكم لكن الله يشهد ، ويجوز أن يكون حالا ؛ أي : أنزله والملائكة شاهدون بصدقه .

التالي السابق


الخدمات العلمية