الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 101 ] قال ( ومن حلف لا يدخل هذه الدار فوقف على سطحها حنث ) لأن السطح من الدار ; ألا ترى أن المعتكف لا يفسد اعتكافه بالخروج إلى سطح المسجد . وقيل في عرفنا لا يحنث وهو اختيار الفقيه أبي الليث . قال ( وكذا إذا دخل دهليزها ) ويجب أن تكون على التفصيل الذي تقدم [ ص: 102 ] ( وإن وقف في طاق الباب بحيث إذا أغلق الباب كان خارجا لم يحنث ) لأن الباب لإحراز الدار وما فيها فلم يكن الخارج من الدار .

التالي السابق


( قوله ومن حلف لا يدخل هذه الدار فوقف على سطحها ) من غير دخول من الباب بأن ظفر من سطح إلى سطحها ( حنث لأن السطح من الدار ، ألا يرى أن المعتكف لا يفسد اعتكافه بالخروج إلى سطح المسجد ) فلو عد السطح خارجا فسد . وقد يقال المبنى مختلف فإن الأيمان مبنية على العرف فجاز كون بعض ما هو في حكم المسجد خارجا في العرف ; ألا يرى أن فناء المسجد له حكم المسجد في بعض الأشياء حتى جاز اقتداء من فيه بمن في المسجد ، ولا شك أنه خارج فالأقرب ما قيل الدار عبارة عما أحاطت به الدائرة ، وهذا حاصل في علو الدار وسطحها ، وهذا يتم إذا كان السطح بحضير ، فلو لم يكن له حضير فليس هو إلا في هواء الدار فلا يحنث من حيث اللغة إلا أن يكون عرف أنه يقال إنه داخل الدار .

والحق أن السطح لا شك أنه من الدار لأنه من أجزائها حسا لكن لا يلزم من القيام عليه أن يقال في العرف دخل الدار بل لا يتعلق لفظ دخل إلا بجوف الدار حتى صح أن يقال لم يدخل الدار ولكن صعد السطح من خارج بحبل ، وهذا في عرف من ليس أهل اللسان فطابق عرف العجم . ولو جمع بين قول المتقدمين والمتأخرين بأن يحمل جواب المتقدمين بالحنث على ما إذا كان للسطح حضير وجواب المتأخرين المعبر عنهم بقوله وقيل في عرفنا يعني عرف العجم على ما إذا لم يكن له حضير اتجه وهذا اعتقادي ( قوله وقيل في عرفنا لا يحنث ) أي بالوقوف على السطح .

وكذا لا يحنث بالصعود على شجرة داخلها لأنه لا يسمى داخل الدار ما لم يدخل جوفها ، وكذا إذا قام على حائط منها ( قوله وكذا إذا دخل دهليزها ) يعني يحنث ويجب فيه التفصيل المتقدم وهو أن يكون له حوائط وهو مسقف . وأنت علمت أن السقف ليس لازما في مسمى البيت بل في مسمى البيت الشتوي ، [ ص: 102 ] قوله وإن وقف في طاق الباب وهو بحيث إذا أغلق الباب كان خارجا عن الباب لم يحنث لأن الباب لإحراز الدار وما فيها فلم يكن الخارج عن الباب في الدار ) ولو أدخل رأسه أو إحدى رجليه أو حلف لا يخرج فأخرج إحداهما أو رأسه لم يحنث وبه قال الشافعي وأحمد ومالك رحمهم الله { وقد كان صلى الله عليه وسلم يناول عائشة رأسه لتصلحه وهو معتكف في المسجد وهي في بيتها } لأن قيامه بالرجلين فلا يكون بإحداهما داخلا ولا خارجا .

وفي هذا خلاف فإنه ذكر في الخلاصة : لو قال لامرأته إن خرجت إلا بإذني فأنت طالق ، فقامت على أسقفة الباب وبعض قدمها بحال لو أغلق الباب كان ذلك المقدار داخلا وبعضه الباقي خارجا إن كان اعتمادها على النصف الخارج حنث ، وإن كان على النصف الداخل أو عليهما لا يحنث .

قال : وفي المحيط لو أدخل إحدى رجليه لا يحنث ، وبه أخذ الشيخان الإمامان شمسا الأئمة الحلواني والسرخسي .

هذا إذا كان يدخل قائما ، فأما إذا كان يدخل مستلقيا على ظهره أو بطنه أو جنبه فقد خرج حتى صار بعضه داخل الدار إن كان الأكثر داخل الدار يصير داخلا ، وإن كان ساقاه خارجا ولو تناول بيده شيئا من داخل لا يحنث .



[ فروع ]

حلف لا يدخل هذه الدار فأدخل مكرها : أي محمولا لا يحنث ، فإن أدخل وهو بحال لا يقدر على المنع لكن رضي بقلبه اختلفوا ، والأصح لا يحنث ، فلو خرج بعد دخوله مكرها : أي محمولا ثم دخل هل يحنث اختلفوا . قال السيد أبو شجاع : لا يحنث ، وهكذا في شرح الطحاوي . وقال القاضي الإمام : الأصح أنه يحنث ، وسيأتي له تتمة .

ولو اشتد في المشي فوقع في الباب يحنث ، ولو حلف لا يدخل هذه الدار فدخل بيتا منها قد أشرع إلى السكة حنث إذا كان أحد بابيه في السكة والآخر في الدار ، وكذا لو دخل في علوها على الطريق وله باب في الدار ، وكذا الكنيف إذا كان بابه في الدار . ولو حلف لا يدخل بلخ أو مدينة كذا فعلى العمران ، بخلاف كورة بخارى أو رستاق ، كذا إذا دخل أرضها حنث . والفتوى في زماننا أن كورة بخارى على العمران ، وعلى هذا القياس إذا حلف لا يدخل كورة مصر وهو بالشام فبدخول العريش يحنث ، وعلى الحمل على العمران لا يحنث حتى يدخلها ، ولو حلف لا يدخل بغداد فمر بها في سفينة بدجلة عند محمد يحنث ، وعندهما لا يحنث وعليه الفتوى .

ولو حلف لا يدخل الفرات فدخلت سفينته في الفرات أو دخل جسرا لا يحنث . ولو قال إن وضعت قدمي في دار فلان فكذا فوضع إحدى رجليه فيها لا يحنث على جواب ظاهر الرواية لأن وضع القدم هنا مجاز عن الدخول ولا يحنث في الحلف لا يدخل بوضع إحدى رجليه . ولو حلف لا يدخل هذا المسجد فهدم ثم بني مسجدا فدخله يحنث كالدار . ولو حلف لا يدخل سكة فلان فدخل مسجدا فيها ولم يدخلها لا يحنث في المختار .

قال في مجموع النوازل : هذا إذا لم يكن لا مسجد باب في السكة ، وكذا إذا دخل بيتا في طريق السكة إن كان له باب فيها حنث ، وإن كان ظهره فيها وبابه في سكة أخرى لا يحنث ، هذا هو الصحيح ، ولو كان له بابان باب فيها وباب في غيرها حنث . ولو حلف لا يدخل من باب هذه الدار فدخلها من غير بابها لا يحنث ، ولو كان لها باب [ ص: 103 ] حين حلف فجهل لها باب آخر فدخل منه حنث لأن الحلف على باب منسوب إليها فيستوي القديم والحادث إلا إن عين ذلك الباب في حلفه ، ولو نواه ولم يعينه في حلفه لا يدين في القضاء .

ولو حلف لا يدخل دارا فدخل قناة حتى صار تحتها إن كان لها مفتح في الدار ينتفع به بأن يستقوا منه حنث إذا وصل هناك ، وإن كان لا ينتفعون به إنما هو لإضاءة القناة لا يحنث . ولو حلف لا يدخل هذا الفسطاط فقوض وضرب في مكان آخر فدخله حنث .




الخدمات العلمية