الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ولا يقتلوا امرأة ولا صبيا ولا شيخا فانيا ولا مقعدا ولا أعمى ) لأن المبيح للقتل عندنا هو الحراب ولا يتحقق منهم ، ولهذا لا يقتل يابس الشق والمقطوع اليمنى والمقطوع يده ورجله من خلاف . والشافعي رحمه الله تعالى عليه يخالفنا في الشيخ الفاني والمقعد والأعمى [ ص: 453 ] لأن المبيح عنده الكفر والحجة عليه ما بينا ، وقد صح { أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل الصبيان والذراري } { وحين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة قال : هاه ، ما كانت هذه تقاتل فلم قتلت ؟ } قال ( إلا أن يكون أحد هؤلاء ممن له رأي في الحرب أو تكون المرأة ملكة ) لتعدي ضررها إلى العباد ، وكذا يقتل من [ ص: 454 ] قاتل من هؤلاء دفعا لشره ، ولأن القتال مبيح حقيقة

التالي السابق


( قوله ولا يقتلوا امرأة ولا صبيا ) أخرج الستة إلا النسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما { أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتولة فنهى عن قتل النساء والصبيان } . وأخرج أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { انطلقوا باسم الله وعلى ملة رسول الله ، لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة ، ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } وفيه خالد بن الفزر ، قال ابن معين : ليس بذاك ، وأما معارضته بما أخرج أبو داود عن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { اقتلوا الشيوخ المشركين واستبقوا شرخهم } ، فأضعف منه ثم على أصول كثير من الناس لا معارضة بل يجب أن تخص الشيوخ بغير الفاني ، فإن المذكور في ذلك الحديث الشيخ الفاني ليخص العام مطلقا بالخاص . نعم يعارض ظاهرا بما أخرج الستة { عن الصعب بن جثامة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : هم منهم } وفي لفظ " هم من آبائهم " فيجب دفعا للمعارضة حمله على مورد السؤال وهم المبيتون ، وذلك أن فيه ضرورة عدم العلم والقصد إلى الصغار بأنفسهم ، لأن التبييت يكون معه ذلك ، والتبييت هو المسمى في عرفنا بالكبسة ، وما الظن إلا أن حرمة قتل النساء والصبيان إجماع .

وأما الحديث الذي ذكر المصنف أنه عليه الصلاة والسلام { رأى امرأة مقتولة } فهو ما رواه أبو داود والنسائي عن أبي الوليد الطيالسي عن عمر بن المرقع بن صيفي : حدثني أبي عن جده { رباح بن الربيع بن صيفي قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ، فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلا [ ص: 453 ] فقال : انظر علام اجتمع هؤلاء ؟ فجاء رجل فقال : امرأة قتيل ، فقال : ما كانت هذه تقاتل ، وعلى المقدمة خالد بن الوليد ، فبعث رجلا فقال : قل لخالد لا تقتلن امرأة ولا عسيفا } وأخرجه النسائي أيضا وابن ماجه عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن المرقع ، وكذا أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك ، وفي لفظه فقال { هاه ما كانت هذه تقاتل } ثم قال : وهكذا رواه المغيرة بن عبد الرحمن وابن جريج عن أبي الزناد فصار الحديث صحيحا على شرط الشيخين .

وهاه كلمة زجر ، والهاء الثانية للسكت . وإذا ثبت فقد علل القتل بالمقاتلة في قوله { ما كانت هذه تقاتل } فثبت ما قلنا من أنه معلول بالحرابة فلزم قتل ما كان مظنة له ، بخلاف ما ليس إياه ، وبمنع قتل النساء والصبيان أو يابس الشق ونحوه يبطل كون الكفر من حيث هو كفر علة أخرى ، وإلا لقتل هؤلاء وهو المراد بقول المصنف ( والحجة عليه ) أي على الشافعي ( ما بيناه ) يعني من عدم قتل يابس الشق ، لكن هذا الإلزام على أحد القولين له ، فإنه ذكر في شرح الوجيز وفي الشيوخ والعميان والضعفاء والزمنى ومقطوعي الأيدي والأرجل قولان : في قول يجوز قتلهم ، وبه قال أحمد في رواية لعموم { اقتلوا المشركين } وروي عنه عليه الصلاة والسلام { اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم } ولأنهم كفار والكفر مبيح للقتل .

وفي قول لا يجوز ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وذكر ما ذكرناه من الحديث المانع من قتل الشيخ الفاني .

قال : والمقعد والزمن ومقطوع اليدين والرجلين في معناه .

وعن أبي بكر أنه أوصى يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام فقال : " لا تقتلوا الولدان ولا النساء ولا الشيوخ " الخبر انتهى . وأنت تعلم أن قوله تعالى { اقتلوا المشركين } عام مخصوص بالذمي والنساء والصبيان ، فجاز تخصيص الشيخ الفاني ، ومن ذكر المصنف بالقياس لو لم يكن فيهم خبر فكيف وفيهم ما سمعت ، بل ما قدمنا من أن النصوص مقيدة ابتداء بالمحاربين على ما ترجع إليه . وأما حديث الشيوخ فتقدم أنه ضعيف بالانقطاع عندهم وبالحجاج بن أرطاة ، ولو سلم فيجب تخصيصه على ما ذكرنا على أصولهم . وأما قول المصنف صح أنه عليه الصلاة والسلام { نهى عن قتل الصبيان والذراري } فالمراد بالذراري النساء من اسم السبب في المسبب .

قال في العرنيين : وفي الحديث { لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا } أي امرأة ولا أجيرا ، ثم المراد بالشيخ الفاني الذي لا يقتل هو من لا يقدر على القتال ولا الصياح عند التقاء الصفين ولا على الإحبال لأنه يجيء منه الولد فيكثر محارب المسلمين ، ذكره في الذخيرة . وذكر الشيخ أبو بكر الرازي في كتاب المرتد من شرح الطحاوي أنه إذا كان كامل العقل نقتله ومثله نقتله إذا ارتد ، والذي لا نقتله الشيخ الفاني الذي خرف وزال عن حدود العقلاء والمميزين فهذا حينئذ يكون بمنزلة المجنون فلا نقتله ولا إذا ارتد . قال : وأما الزمنى فهم بمنزلة الشيوخ فيجوز قتلهم إذا رأى الإمام ذلك كما يقتل سائر الناس بعد أن يكونوا عقلاء ونقتلهم أيضا إذا ارتدوا ا هـ . ولا نقتل مقطوع اليد اليمنى والمقطوع يده ورجله من خلاف ، ونقتل أقطع اليد اليسرى أو إحدى الرجلين وإن لم يقاتل ( قوله إلا أن يكون أحد هؤلاء ) استثناء من حكم عدم القتل ، ولا خلاف في هذا لأحد ، [ ص: 454 ] وصح { أمره عليه الصلاة والسلام بقتل دريد بن الصمة وكان عمره مائة وعشرين } عاما أو أكثر وقد عمي لما جيء به في جيش هوازن للرأي ، وكذلك يقتل من قاتل من كل من قلنا إنه لا يقتل كالمجنون والصبي والمرأة




الخدمات العلمية