الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا فرجم فكلما رجع واحد حد الراجع وحده وغرم ربع الدية ) أما الغرامة فلأنه بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق فيكون التالف بشهادة الراجع ربع الحق .

وقال الشافعي : يجب القتل دون المال بناء على أصله في شهود القصاص ، وسنبينه في الديات إن شاء الله تعالى ، وأما الحد فمذهب علمائنا الثلاثة .

وقال زفر [ ص: 293 ] لا يحد ; لأنه إن كان الراجع قاذف حي فقد بطل بالموت ، وإن كان قاذف ميت فهو مرجوم بحكم القاضي فيورث ذلك شبهة . ولنا أن الشهادة إنما تنقلب قذفا بالرجوع ; لأن به تفسخ شهادته فجعل للحال قذفا للميت وقد انفسخت الحجة فينفسخ ما يبتني عليه وهو القضاء في حقه فلا يورث الشبهة ، بخلاف ما إذا قذفه غيره ; لأنه غير محصن في حق غيره لقيام القضاء في حقه [ ص: 294 ] ( فإن لم يحد المشهود عليه حتى رجع واحد منهم حدوا جميعا وسقط الحد عن المشهود عليه ) وقال محمد : حد الراجع خاصة ; لأن الشهادة تأكدت بالقضاء فلا ينفسخ إلا في حق الراجع ، كما إذا رجع بعد الإمضاء . ولهما أن الإمضاء من القضاء فصار كما إذا رجع واحد منهم قبل القضاء ولهذا سقط الحد عن المشهود عليه . ولو رجع واحد منهم قبل القضاء حدوا جميعا . وقال زفر : يحد الراجع خاصة ; لأنه لا يصدق على غيره . ولنا أن كلامهم قذف في الأصل وإنما يصير شهادة باتصال القضاء به ، فإذا لم يتصل به بقي قذفا فيحدون ( فإن كانوا خمسة فرجع أحدهم فلا شيء عليه ) ; لأنه بقي من يبقى بشهادته كل الحق وهو شهادة الأربعة ( فإن رجع آخر حدا وغرما ربع الدية ) أما الحد فلما ذكرنا [ ص: 295 ] وأما الغرامة فلأنه بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق ، والمعتبر بقاء من بقي لا رجوع من رجع على ما عرف

التالي السابق


( قوله : وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا فرجم ) حاصل وجوه رجوع واحد ثلاثة : إما قبل القضاء ، أو بعده قبل الإمضاء ، أو بعده . ذكرها المصنف كلها ، فذكر أولا ما إذا رجع واحد من الأربعة بعد الإمضاء وهو الرجم مثلا ، وأن حكمه أنه وحده يغرم ربع الدية . أما غرامة ربع الدية فلأنه بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباعها فيكون التالف بشهادة الراجع ربعها لإتلافه بها ربع النفس حكما فيضمن بدل الربع .

وقال الشافعي : يجب القتل لا المال بناء على أصله في شهود القصاص أنهم إذا رجعوا يقتلون .

قال المصنف ( وسنبينه في الديات ) قيل وقعت الحوالة غير رائجة لأنه لم يذكره فيه وأما حد الراجع وحده فمذهب علمائنا الثلاثة أنه يحده وقال زفر : لا يحد لأنه إن كان قاذف حي برجوعه فقد بطل بالموت لأن حد القذف لا يورث لأن الغالب فيه حق الله فيورث شبهة ، وإن كان قاذف ميت فهو مرجوم بحكم [ ص: 293 ] القاضي وحكمه برجمه يوجب شبهة في إحصانه ولهذا لا يحد الباقون إجماعا ( قوله : ولنا إلخ ) حاصله اختيار الشق الثاني وهو أنه قذف ميت ثم نفى الشبهة الدارئة لحد القذف عنه ، أما إنه قذف ميت فلأن بالرجوع تنفسخ شهادته فتصير قذفا للحال لا أنه بالرجوع يتبين أن تلك الشهادة كانت قذفا من الأول لأنها حين وقعت كانت معتبرة شهادة غير أن بالرجوع تنفسخ فتصير قذفا للحال ، كمن علق الطلاق ثم وجد الشرط بعد سنة فوقع يقع الآن لا أنه يتبين أنه وقع حين التكلم به ، وكذا إذا فسخ وارث المشتري البيع مع البائع بعد موت المشتري يثبت به الملك في الحال للبائع ، بخلاف ما لو ظهر أحدهم عبدا بعد الحد فإنهم يحدون كلهم لأنه ظهر أن الراجع وغيره قذفة لأن العبد لا شهادة له فكان عدد الشهود ناقصا فيحدون ، وإنما لا يحدون من بعد الرجم عند ظهور أحدهم عبدا لأنه قذف حيا فمات ، وأما إن كونه مرجوما ليس شبهة في حقه دارئة للحد عنه ، فلأنه لما انفسخت الحجة انفسخ ما بني عليها وهو القضاء برجمه في حقه بزعمه واعترافه ، فإذا انفسخ تلاشى فكأنه لم يكن لكن ذلك في حق الراجع خاصة فلم يكن بحيث يوجب شبهة في حقه لأن زعمه معتبر في حقه ، بخلاف غيره لأنه لم ينفسخ في حق غيره فلذا حد الراجع ولم يحد غيره لو قذفه لأن القضاء لما كان قائما في حق الغير صار المرجوم غير محصن في حقه .

ثم [ ص: 294 ] ذكر المصنف رجوع الواحد قبل الإمضاء بعد القضاء فقال : ( فإن لم يحد المشهود عليه بالزنا حتى رجع واحد منهم ) أي بعد القضاء قبل الإمضاء ( حدوا جميعا . وقال محمد ) وزفر : ( يحد الراجع وحده لأن الشهادة تأكدت بالقضاء ) فلم يبق طريق إلى وقوعها قذفا . فالرجوع بعد القضاء قبل الإمضاء إنما يؤثر ففسخ القضاء في حقه خاصة كالرجوع بعد الاستيفاء ( ولهما أن الإمضاء ) أي استيفاء الحد ( من القضاء ) وقد تقدم بيان كون الإمضاء من القضاء بحقوق الله تعالى في مسألة التقادم فكان رجوعه قبل الإمضاء كرجوعه قبل القضاء ، وتظهر ثمرة كون الإمضاء من القضاء فيما إذا اعترضت أسباب الجرح في الشهود أو سقوط إحصان المقذوف أو عزل القاضي يمتنع استيفاء حد القذف وغيره ، ثم ذكر رجوعه قبل القضاء فقال : ( ولو رجع واحد منهم قبل القضاء حدوا جميعا ) وهو قول الأئمة الثلاثة ( وقال زفر : يحد الراجع خاصة ) لأن رجوعه عامل في حق نفسه دون غيره فتبقى شهادتهم على ما هي عليه لا تنقلب قذفا ( ولنا أن كلامهم قذف في الأصل ، وإنما يصير شهادة باتصال القضاء به ) ولم يتصل به ; لأن رجوعهم منع من ذلك فبقي قذفا فيحدون .

والأولى أن يقال : كلامهم قذف في الأصل ، وإنما يصير شهادة ما دام بصفة إيجابه القضاء على القاضي وبالرجوع انتفى فكان قذفا ، وهذا لأن كونه لا يخرج عن القذف إلى الشهادة إلا باتصاله بحقيقة القضاء مما يمنع . إذا عرف هذا قلنا : لو امتنع الرابع عن الأداء يحد الثلاثة ولا يكون ذلك بسكوت الرابع بل بنسبة الثلاثة إياه إلى الزنا قولا ، فكذا إذا رجع أحدهم يحد ثلاثتهم بقولهم زنى ( قوله فإن كانوا خمسة ) عطف على أول المسألة ولو شهد أربعة ( فرجع أحدهم ) أي بعد الرجم ( لا شيء عليه ) أي لا حد ولا غرامة ( لأنه بقي ) بعد رجوعه ( من يبقى بشهادته كل الحق وهو شهادة الأربعة ) وهو قول الأئمة الأربعة سوى قول للشافعي رحمه الله غير الأصح عندهم ( وإن رجع آخر ) مع الأول ( حد كل منهما وغرما ربع الدية ) وللشافعي تفصيل ، وهو أنهما إن قالا : أخطأنا وجب عليهما قسطهما من الدية . وفيه وجهان : في وجه خمساها ، وفي وجه ربعها كقولنا ولو قالا : تعمدنا الكذب يقتلان ( أما الحد فلما ذكرنا ) يعني من أن الشهادة تنقلب قذفا للحال فعليهما الحد [ ص: 295 ] يعني عند رجوع الثاني تنفسخ شهادتهما قذفا لعدم بقاء تمام الحجة بعد رجوع الثاني ، لا أن رجوع الثاني هو الموجب للحد ، ( وأما الغرامة فلأنه بقي من يبقى بشهادته ثلاثة أرباع الحق والمعتبر ) في قدر لزوم الغرامة ( بقاء من بقي ) لا رجوع من رجع على ما عرف




الخدمات العلمية