الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 154 ] ( فصل )

قال ( ومن حلف لا يكلم حينا أو زمانا أو الحين أو الزمان فهو على ستة أشهر ) لأن الحين قد يراد به الزمان القليل وقد يراد به أربعون سنة ، قال الله تعالى { هل أتى على الإنسان حين من الدهر } وقد يراد به ستة أشهر ، قال الله تعالى { تؤتي أكلها كل حين } وهذا هو الوسط فينصرف إليه ، وهذا لأن اليسير لا يقصد بالمنع لوجود [ ص: 155 ] الامتناع فيه عادة ، والمؤبد لا يقصد غالبا لأنه بمنزلة الأبد ، ولو سكت عنه يتأبد فيتعين ما ذكرنا .

وكذا الزمان يستعمل استعمال الحين ، يقال ما رأيتك منذ حين ومنذ زمان بمعنى وهذا إذا لم تكن له نية ، أما إذا نوى شيئا فهو على ما نوى لأنه نوى حقيقة كلامه ( وكذلك الدهر عندهما . وقال أبو حنيفة : الدهر لا أدري ما هو ) وهذا الاختلاف في المنكر وهو الصحيح ، أما المعرف بالألف واللام يراد به الأبد عرفا . لهما أن دهرا يستعمل استعمال الحين والزمان يقال ما رأيتك منذ حين ومنذ دهر بمعنى وأبو حنيفة توقف في تقديره لأن اللغات لا تدرك قياسا والعرف لم يعرف استمراره لاختلاف في الاستعمال

التالي السابق


( فصل في يمين من حلف لا يكلم حينا أو زمانا )

لما كان ما فيه كالتبع لما تقدم ترجمه بالفصل ( وقوله ومن حلف لا يكلمه حينا أو زمانا أو الحين أو الزمان فهو على ستة أشهر في النفي ) كلا أكلمه الحين أو حينا ( والإثبات ) نحو لأصومن حينا أو الحين أو الزمان أو زمانا ، [ ص: 155 ] كل هذا إذا لم ينو مقدارا معينا من الزمان ، فإن نوى مقدارا صدق لأنه نوى حقيقة كلامه لأن كلا من الحين والزمان للقدر المشترك بين القليل والكثير والمتوسط واستعمل في كل ذلك ، ففي القليل قول نابغة ذبيان :

فبت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش في أنيابها السم ناقع تبادرها الراقون من سوء سمها
تطلقه حينا وحينا تراجع

يريد أن السم تارة يخف ألمه وتارة يشتد ، وأما في الكثير فالمفسرون في هل أتى على الإنسان حين من الدهر أنه أربعون سنة .

وأما في المتوسط فقوله تعالى { تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها } وذلك ستة أشهر عن ابن عباس رضي الله عنه ، لأن من حين يخرج الطلع إلى أن يصير رطبا ستة أشهر ، ولما وقع الاستعمال كذلك ولا نية معينة للحالف حملناه على الوسط من ذلك وهو ستة أشهر ، ولأن اليسير لا يقصد بالحلف وإلا لم يحلف لتحقق الامتناع عنه عادة بلا يمين . والمديد هو أربعون سنة لا يقصد بالحلف عادة لأنه في معنى الأبد ، فمريده خارج عن العادة إذ لم يسمع من يقول لا أكلمه أربعين سنة مقيدا بها ، ولو سكت عن الحين وما معه تأبد ، فالظاهر أنه حينئذ لن يرد أقل ما ينطلق عليه الاسم من الزمان ولا الأبد ولا الأربعين فيحكم الوسط في الاستعمال وهو ما ذكرنا ، والشافعي يصرفه إلى الأقل وهو ساعة وعرفت أنه لم يقصد وإلا ترك ذكره ويحصل بلا حلف ، والزمان يستعمل استعمال الحين ، يقال ما رأيتك منذ زمان كما يقال منذ حين ، وليس المراد من هذا أنه ثبت استعماله لستة أشهر ولأربعين سنة ولأقل ما ينطلق عليه ، بل إنه ثبت استعماله في المديد والقصير والمتوسط ، وهو أخو الحين في الوضع والاستعمال في ذلك وإن لم يكن مثله في خصوص المدة فيصرف إلى ما سمع متوسطا .

ثم قيل : هذا إن تم في زمان المنكر لم يتم في المعرف ، بل الظاهر فيه أنه للأبد كالدهر والعمر ولذا صح الاستثناء منه ، فلو قال لا أكلمه الزمان إلا سنة صح ، وعهدية الستة أشهر إنما تثبت في لفظ الحين وكون الزمان مثله إن أريد في الوضع فمسلم ولا يفيد ، لأن المقصود أن يحمل اللفظ عند عدم المعين لخصوص مدة على المدة التي استعمل فيها وسطا ، وإن أريد في الاستعمال فيحتاج إلى ثبت من موارد الاستعمال ولم يوجد هذا ويعتبر ابتداء الستة أشهر من وقت اليمين ، بخلاف لأصومن حينا أو زمانا كان له أن يعين أي ستة أشهر شاء وتقدم الفرق ( قوله وكذلك الدهر عند أبي يوسف ومحمد ) يعني المنكر ينصرف إلى ستة أشهر إذا لم تكن له نية في مقدار من الزمان ، فإن كان عمل به [ ص: 156 ] اتفاقا .

وقال أبو حنيفة : الدهر لا أدري ما هو ، وهذا الاختلاف في المنكر هو الصحيح احترازا عما ذكر الشيخ أبو المعين في رواية بشر بن الوليد عن أبي يوسف أنه قال : لا فرق على قول أبي حنيفة بين قوله دهرا والدهر . والصحيح أن المعرف بالاتفاق يصرف إلى الأبد ، وإنما توقفه في المنكر لأن استعمالاته لم تثبت على الأنحاء الثلاثة المديد والقصير والوسط ، فلم يدر بماذا يقدر ، وتقديره بالمتيقن وهو أقل ما ينطلق عليه اسم الزمان فيه من الاستبعاد ما تقدم ولم يثبت توقيت فيه زائد عليه فلزم التوقف .

وقيل لأنه جاء في الحديث أن الدهر هو الله تعالى في قوله صلى الله عليه وسلم { لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله } فإذا قال لا أكلمه الدهر احتمل أن اليمين مؤبدة ، والمعنى والله لا أكلمه والله ، فإنك علمت أن حرف القسم يحذف وينصب الاسم ، ويحتمل أنه أراد الظرف وهو الأبد ، وقول الشاعر :

هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها

فالنكرة وإن كانت في الإثبات فهي للعموم بقرينة : أي كل طلوع وكل غروب إلخ ، وعرف أنها تستعمل في الإثبات للعموم بقرينة مثل علمت نفس ما أحضرت وهذا الوجه يوجب توقفه في المعرف أيضا لأن الذي يراد به الله سبحانه وتعالى هو المعرف منه لا المنكر ، وتوقفه دليل فقهه ودينه وسقوط اعتباره نفسه ، رحمنا الله به ، وقد نظم جملة ما توقف فيه فقال بعضهم :

من قال لا أدري لما لم يدره فقد اقتدى في الفقه بالنعمان
في الدهر والخنثى كذاك جوابه ومحل أطفال ووقت ختان

والمراد بالأطفال أطفال المشركين على ما قدمنا في الجنائز .

[ ص: 157 ] فرع ]

إذا قال لا أكلمه العمر فهو على الأبد . واختلف جواب بشر بن الوليد في المنكر نحو عمرا ، فمرة قال في لله علي صوم عمر يقع على يوم واحد ، ومرة قال هو مثل الحين ستة أشهر إلا أن ينوي أقل أو أكثر




الخدمات العلمية