الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 36 ] ( ولا يثبت نسب ولدها إلا أن يعترف به ) وقال الشافعي : يثبت نسبه منه وإن لم يدع ; لأنه لما ثبت النسب بالعقد فلأن يثبت بالوطء وأنه أكثر إفضاء أولى . ولنا أن وطء الأمة يقصد به قضاء الشهوة دون الولد ; لوجود المانع عنه [ ص: 37 ] فلا بد من الدعوة بمنزلة مالك اليمين من غير وطء ، بخلاف العقد ; لأن الولد يتعين مقصودا منه فلا حاجة إلى الدعوة .

التالي السابق


( قوله : ولا يثبت نسب ولدها ) أي ولد الأمة لا أم الولد ، وهذا رجوع إلى المذكور أول الباب في قوله إذا ولدت الأمة من مولاها فلا يثبت نسبه إلا أن يعترف به ، وإن اعترف بوطئها ، وهو قول الثوري والبصري والشعبي ، ومروي عن عمر وزيد بن ثابت مع العزل . وقال الشافعي ومالك وأحمد : يثبت إذا أقر بوطئها ، وإن عزل عنها إلا أن يدعي أنه استبرأها بعد الوطء بحيضة ، وهو ضعيف ، فإنهم زعموا أنها بالوطء صارت فراشا كالنكاح وفيه يلزم الولد ، وإن استبرأها مع أن الحامل تحيض عند مالك والشافعي فلا يفيد الاستبراء ، وهم ينفصلون عن هذا بأن الغالب أن لا تحيض والأمر بالاستبراء اعتبارا للغالب فيحكم عند وجوده بعدم الحمل حكما بالغالب ، ولو وطئها في دبرها يلزمه الولد عند مالك ، ومثله عن أحمد وهو وجه مضعف للشافعية .

( قوله : لأنه لما ثبت ) هذا وجه قول الجمهور في أن النسب يثبت بما تأتي به الأمة بمجرد وطئها ، وهو أنه لما ثبت النسب بعقد البالغ حتى ثبت نسب ما تأتي به المنكوحة به بعد العقد ، وإن لم يعلم الوطء ; لوجوده بعد المفضي إلى الولد فثبوته بعد وطء البالغ وأنه أكثر إفضاء إلى وجود الولد أولى . وإنما قيدنا بالبالغ ; لأن الزوج الصبي لا يثبت به نسب ، وإن كان بعقد وضع للولد ( ولنا أن وطء الأمة يقصد به قضاء الشهوة دون الولد ; لوجود المانع ) من قصده وهو سقوط تقومها عند أبي حنيفة ونقصانه عندهما فكان [ ص: 37 ] الظاهر عدم قصده فكان للظاهر العزل .

وبه يندفع ما قيل فلا يلزم بمجرد الوطء ، وما قيل الوطء قد يقصد به وقد لا يقصد به فلا يتعين عدمه . قلنا : ولا يتعين وجوده كما قلتم فيبقى على الأصل من العدم . واعلم أن أصل دليلهم فيه المنقول من حديث عائشة رضي الله عنها قالت { اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعني في ابن وليدة زمعة ، فقال سعد : يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه وقال عبد بن زمعة : هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شبهه فرأى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة فقال : هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر ، واحتجبي منه يا سودة ، فلم تره سودة قط } رواه الجماعة إلا الترمذي .

وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم إنما قضى به لعبد بن زمعة على أنه عبد له ورثه لا على أنه أخوه ، ولذا قال هو لك ولم يقل هو أخوك ، وقال : احتجبي منه يا سودة ، ولو كان أخا لها بالشرع لم يجب احتجابها منه ، فهذا دفع بانتفاء لازم الأخوة شرعا والأول باللفظ نفسه . ويدفع الأول بأن في رواية أخرى { هو أخوك يا عبد } وأما الأمر بالاحتجاب فلما رأى من الشبه البين بعتبة . ويدفع الأول بأن هذه الرواية حينئذ معارضة لرواية " هو لك " وهي أرجح ; لأنها المشهورة المعروفة فلا تعارضها الشاذة ، والشبه لا يوجب احتجاب أخته شرعا منه ، وإلا لوجب الآن وجوبا مستمرا أن كل من أشبه غير أبيه الثابت نسبه منه يجب حكما للشبه احتجاب أخته وعمته وجدته لأبيه منه وهو منتف شرعا . وإذن قوله : " للفراش الولد " ينتفي به نسبه عن سعد بأنه ابن أخيه وعن عبد بأنه أخوه : يعني أن الولد للفراش ولا فراش الواحد من عتبة وزمعة فهو حينئذ عبد لك يا عبد ميراث لك من أبيك .

واعلم أنه روي عند الإمام أحمد { أما الميراث فله ، وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس لك بأخ } فتصريحه بأنه ليس أخاها يفيد أنه ليس أخا لعبد بن زمعة ، وبه تقوى معارضة رواية هو أخوك . وقوله " أما الميراث فله " يفيد أنه أخوهما ، فإما أن يحكم بضعف الحديث لتدافع معناه ، أو يجمع بأن المثبت الأخوة الشرعية والمنفي الأخوة الحقيقة ، وهو أن يخلقا من ماء رجل واحد ، وأن الحكم الشرعي في عدم الاحتجاب أن يترتب على الأخوة بمعنى التخلق من ماء شخص واحد مع ثبوت النسب منه ، إلا أن هذا يتعذر الوقوف عليه فاعتبر ثابتا بثبوت النسب ما لم يعارضه شبه غير المنسوب كما هو في الصورة المروية ، ثم يجعل هذا ليس حكما مستمرا على ما ذكرنا خاصا بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأن حجابهن منيع ، وقد قال تعالى لهن : { لستن كأحد من النساء } وعلى هذا يجب حمل الوليدة على أنها كانت ولدت لزمعة قبل ذلك ويكون قوله : " الولد للفراش " يعني أم الولد ، وحينئذ فقوله هو لك : أي مقضي به لك ، ويكون المراد أنه أخوك كما هو الرواية الأخرى . وأما ما نقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ما بال رجال يطئون ولائدهم ثم يعتزلونهن ، لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أنه قد ألم بها إلا ألحقت به ولدها ، فاعتزلوا بعد ذلك أو اتركوا . رواه الشافعي فمعارض بما روي [ ص: 38 ] عن عمر أنه كان يعزل عن جاريته فجاءت بولد أسود فشق عليه ، فقال : ممن هو ؟ فقالت : من راعى الإبل ، فحمد الله وأثنى عليه ولم يلتزمه .

وأسند الطحاوي عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يأتي جارية فحملت فقال : ليس مني إني أتيتها إتيانا لا أريد به الولد . وعن زيد بن ثابت أنه كان يطأ جارية فارسية ويعزل عنها فجاءت بولد فأعتق الولد وجلدها . وعنه أنه قال لها : ممن حملت ؟ فقالت منك ، فقال : كذبت ما وصل إليك ما يكون منه الحمل ولم يلتزمه مع اعترافه بوطئها . والمروي عن عمر من قوله : إنه يلحق بالواطئ مطلقا جاز لكونه علم من بعضهم إنكار من يجب عليه استلحاقه ، وذلك أنا بينا أن الواطئ إذا لم يعزل وحصنها وجب عليه الاعتراف به . فقد يكون علم من الناس إنكار أولاد الإماء مطلقا فقال لهم إني ملحق بكم إياهم مطلقا ، وأما من علم منه الاعتدال في الأمر بأن يعترف بمن يجب عليه الاعتراف به وينفي من يجب عليه نفيه أو يجوز فإنه لا يتعرض له .




الخدمات العلمية