الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن تزوج امرأة لا يحل له نكاحها فوطئها لا يجب عليه الحد عند أبي حنيفة ) ولكن يوجع عقوبة إذا كان علم بذلك . وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي : عليه الحد إذا كان عالما بذلك ; لأنه عقد لم يصادف محله فيلغو كما إذا أضيف إلى الذكور ، وهذا لأن محل التصرف ما يكون محلا لحكمه ، وحكمه الحل وهي من المحرمات . ولأبي حنيفة رحمه الله أن العقد صادف محله لأن محل التصرف ما يقبل مقصوده ، والأنثى من بنات آدم قابلة للتوالد وهو المقصود ، [ ص: 260 ] وكان ينبغي أن ينعقد في جميع الأحكام إلا أنه تقاعد عن إفادة حقيقة الحل فيورث الشبهة لأن الشبهة ما يشبه الثابت لا نفس الثابت ، إلا أنه ارتكب جريمة وليس فيها حد مقدر فيعزر

التالي السابق


( قوله ومن تزوج امرأة لا يحل له نكاحها ) بأن كانت من ذوي محارمه بنسب كأمه أو ابنته ( فوطئها لم يجب عليه الحد عند أبي حنيفة ) وسفيان الثوري وزفر ، وإن قال : علمت أنها علي حرام ولكن يجب عليه بذلك المهر ويعاقب عقوبة هي أشد ما يكون من التعزير سياسة لا حدا مقدرا شرعا إذا كان عالما بذلك ، وإذا لم يكن عالما لا حد ولا عقوبة تعزير ( وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي ) وكذا مالك وأحمد ( يجب الحد إذا كان عالما بذلك ) وكان يجب أن يوسط الضمير المنفصل فيقول وقالا هما والشافعي لما عرف أن العطف على ضمير الرفع المتصل [ ص: 260 ] لا يجوز إلا أن يفصل بضمير منفصل أو غيره على قول وإلا فشاذ ضعيف . وعلى هذا الخلاف كل محرمة برضاع أو صهرية متفق عليه ، وأما غير ذلك ففي الكافي لحافظ الدين : منكوحة الغير ومعتدته ومطلقته الثلاث بعد التزوج كالمحرم . قال : وإن كان النكاح مختلفا فيه كالنكاح بلا ولي وبلا شهود فلا حد عليه اتفاقا لتمكن الشبهة عند الكل ، وكذا إذا تزوج أمة على حرة أو تزوج مجوسية أو أمة بلا إذن سيدها أو تزوج العبد بلا إذن سيده فلا حد عليه اتفاقا ، أما عنده فظاهر ، وكذا عندهما لأن الشبهة إنما تنتفي عندهما إذا كان مجمعا على تحريمه وهي حرام على التأبيد .

وفي بعض الشروح : أراد بنكاح من لا يحل له نكاحها نكاح المحارم والمطلقة الثلاث ومنكوحة الغير ومعتدة الغير ونكاح الخامسة وأخت المرأة في عدتها والمجوسية والأمة على الحرة ونكاح العبد أو الأمة بلا إذن المولى والنكاح بغير شهود ، ففي كل هذا لا يجب الحد عند أبي حنيفة ، وإن قال : علمت أنها علي حرام وعندهم يجب إذا علم بالتحريم وإلا فلا ، ثم قال : ولكنهما قالا فيما ليس بحرام على التأبيد لا يجب الحد كالنكاح بغير شهود فقد تعارضا حيث جعل في الكافي الأمة على الحرة والمجوسية والأمة بلا إذن السيد ، وتزوج العبد بلا إذن السيد محل الاتفاق على سقوط الحد ، وجعلها هذا الشارح من محل الخلاف ، فعندهما يحد وأضاف إلى ذلك ما سمعت ، ثم لا يخفى ما في عبارته من عدم التحرير ، ثم قول حافظ الدين في الكافي في تعليل سقوط الحد في تزوج المجوسية وما معها لأن الشبهة إنما تنتفي عندهما : يعني حتى يجب الحد إذا كان مجمعا على تحريمه وهي حرام على التأبيد يقتضي حينئذ أن لا يحد عندهما في تزوج منكوحة الغير وما معها لأنها ليست محرمة على التأبيد ، فإن حرمتها مقيدة ببقاء نكاحها وعدتها ; كما أن حرمة المجوسية مغياة بتمجسها حتى لو أسلمت حلت ، كما أن تلك لو طلقت وانقضت عدتها حلت وأنه لا يحد عندهما إلا في المحارم فقط . وهذا هو الذي يغلب على ظني . والذين يعتمد على نقلهم وتحريرهم مثل ابن المنذر كذلك ذكروا ، فحكى ابن المنذر عنهما أنه يحد في ذات المحرم ولا يحد في غير ذلك ، قال : مثل أن يتزوج مجوسية أو خامسة أو معتدة .

وعبارة الكافي للحاكم تفيد ذلك حيث قال : رجل تزوج امرأة ممن لا يحل له نكاحها فدخل بها قال لا حد عليه ، وإن فعله على علم لم يحد أيضا ويوجع عقوبة في قول أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد : إن علم بذلك فعليه الحد في ذوات المحارم إلى هنا لفظه ، فعمم في المرأة التي لا تحل له في سقوط الحد على قول أبي حنيفة ، ثم خص مخالفتهما بذوات المحارم من ذلك العموم ، فاللفظ ظاهر في ذلك على ما عرف في الروايات .

وفي مسألة المحارم رواية عن جابر رضي الله عنه أنه يضرب عنقه ، ونقل عن أحمد وإسحاق وأهل الظاهر ، وقصر ابن حزم قتله على ما إذا كانت امرأة أبيه قصرا للحديث الآتي على مورده . وفي رواية أخرى عن أحمد تضرب عنقه ، ويؤخذ ماله لبيت المال . وذلك لحديث البراء قال : { لقيت خالي ومعه راية فقلت له : أين تريد ؟ قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه أن [ ص: 261 ] أضرب عنقه وآخذ ماله } . وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن .

وروى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من وقع على ذات محرم منه فاقتلوه } وأجيب بأن معناه أنه عقد مستحلا فارتد بذلك ، وهذا لأن الحد ليس ضرب العنق وأخذ المال بل ذلك لازم للكفر . وفي بعض طرقه عن { معاوية بن قرة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جده معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه أن يضرب عنقه ويخمس ماله } وهذا يدل على أنه استحل ذلك فارتد به ، ويدل على ذلك أنه ذكر في الحديث أنه عرس بها وتعريسه بها لا يستلزم وطأه إياها ، وغير الوطء لا يحد به فضلا عن القتل فحيث كان القتل كان للردة . وهذا لا يخلو عن نظر ، فإن الحكم لما كان عدم الحد والقتل بغير الوطء كان قتله جائزا كونه لوطئه وكونه لردته فلا يتعين كونه للردة . ويجاب بأنه أيضا لا يتعين كونه للوطء فلا دليل فيه على أحدهما بعينه وذلك يكفينا . وقالوا : جاز فيه أحد الأمرين أنه للاستحلال ، أو أمر بذلك سياسة وتعزيرا .

وجه القائل بالحد أنه وطء في فرج مجمع على تحريمه من غير ملك ولا شبهة ملك والواطئ أهل للحد عالم بالتحريم فيجب الحد كما لو لم يوجد العقد وليس العقد شبهة لأنه نفسه جناية هنا توجب العقوبة انضمت إلى الزنا فلم تكن شبهة كما لو أكرهها وعاقبها ثم زنى بها ; ومدار الخلاف أن هذا العقد يوجب شبهة أم لا ، فعندهم لا كما ذكر ، وعند أبي حنيفة وسفيان وزفر نعم ، ومدار كونه يوجب شبهة على أنه ورد على ما هو محله أو لا ، فعندهم لا لأن محل العقد ما يقبل حكمه وحكمه الحل ، وهذه من المحرمات في سائر الحالات فكان الثابت صورة العقد لا انعقاده ; لأنه لا انعقاد في غير المحل كما لو عقد على ذكر ، وعنده نعم لأن المحلية ليست لقبول الحل بل لقبول المقاصد من العقد وهو ثابت ولذا صح من غيره عليها ، وبتأمل يسير يظهر أنهم لم يتواردوا على محل واحدة في المحلية ، فهم حيث نفوا محليتها أرادوا بالنسبة إلى خصوص هذا العاقد : أي ليست محلا لعقد هذا العاقد ولذا عللوه بعدم حلها ، ولا شك في حلها لغيره بعقد النكاح لا محليتها للعقد من حيث هو العقد ، وهو حيث أثبت محليتها أراد محليتها لنفس العقد لا بالنظر إلى خصوص عاقد ولذا علل بقبولها مقاصده .

فإن قلت : فقد أطلق الكل من الحنفية في الفقه والأصول عدم محلية المحارم لنكاح المحرم . ففي الأصول حيث قالوا : إن النهي عن المضامين والملاقيح ونكاح المحارم مجاز عن النفي لعدم محله ، وفي الفقه كثير ومنه قولهم محل النكاح أنثى من بنات آدم ليست من المحرمات . فالجواب أن المراد نفي المحلية لعقد الناكح الخاص . وأنت علمت أن أبا حنيفة إنما أثبت محليتها للنكاح في الجملة لا بالنظر إلى خصوص ناكح ولا شك في ذلك . بقي النظر في أن أي الاعتبارين في ثبوت المحلية أولى كونه قابلا للمقاصد أو كونه حلالا ، إن نظرنا إلى المعنى وهو أن الأصل أن يتبع الحل قيام الحاجة لتدفع به وهو المقصود ترجح قوله ، أو إلى السمع أعني محل الإجماع وهو قول الكل : إن الميتة ليست محلا للبيع مع أنها إنما فيها عدم الحل ترجحوا ، وقد رجح قول أبي حنيفة بقوله صلى الله عليه وسلم { أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل ، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها } حكم بالبطلان وأوجب المهر وهو مسقط للحد بالاتفاق ، وكونه لا يعتقده على ظاهره لا يضر لأنه مؤول بتأويلين : أحدهما أنه آيل إلى البطلان باعتراض الولي بأن كان غير كفء والآخر تخصيصه بما إذا لم يكن للمرأة ولاية على نفسها كالأمة والصبية ، على هذا فهو باطل على ظاهره ، وهو [ ص: 262 ] أقرب التأويلين لندرة فسخ ولي بسبب عدم كفاءة من زوجت المرأة نفسها منه وقد حكم فيه بالمهر إن دخل ، لكن في الخلاصة قال : الفتوى على قولهما ، ولعل وجهه أن تحقق الشبهة يقتضي تحقق الحل من وجه ; لأن الشبهة لا محالة شبهة الحل لكن حلها ليس ثابتا من وجه وإلا وجبت العدة وثبت النسب . ودفع بأن من المشايخ من التزم ذلك .

وعلى التسليم فثبوت النسب والعدة أقل ما يبتنى عليه وجود الحل من وجه وهو منتف في المحارم ، وشبهة الحل ليس ثبوت الحل من وجه فإن الشبهة ما يشبه الثابت وليس بثابت فلا ثبوت لما له شبهة الثبوت بوجه من الوجوه ، ألا ترى أن أبا حنيفة ألزم عقوبته بأشد ما يكون ، وإنما لم يثبت عقوبة هي الحد فعرف أنه زنا محض عنده إلا أن فيه شبهة فلا يثبت نسبه

. ومن شبهة العقد ما إذا استأجرها ليزني بها ففعل لا حد عليه ويعزر ، وقال : هما والشافعي ومالك وأحمد : يحد لأن عقد الإجارة لا يستباح به البضع فصار كما لو استأجرها للطبخ ونحوه من الأعمال ثم زنى بها فإنه يحد اتفاقا . وله أن المستوفى بالزنا المنفعة وهي المعقود عليه في الإجارة لكنه في حكم العين ، فبالنظر إلى الحقيقة تكون محلا لعقد الإجارة فأورث شبهة ، بخلاف الاستئجار للطبخ ونحوه لأن العقد لم يضف إلى المستوفى بالوطء والعقد المضاف إلى محل يورث الشبهة فيه لا في محل آخر .

وفي الكافي : لو قال أمهرتك كذا لأزني بك لم يجب الحد ، وهكذا لو قال : استأجرتك أو خذي هذه الدراهم لأطأك . والحق في هذا كله وجوب الحد إذ المذكور معنى يعارضه كتاب الله ، قال الله تعالى { الزانية والزاني فاجلدوا } فالمعنى الذي يفيد أن فعل الزنا مع قوله : أزني بك لا يجلد معه للفظة المهر معارض له




الخدمات العلمية