الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإن أحضر المال أجبره الحاكم على قبضه وعتق العبد ) ومعنى الإجبار فيه وفي سائر الحقوق أنه ينزل قابضا بالتخلية . وقال زفر رحمه الله : لا يجبر على القبول وهو القياس ; لأنه تصرف يمين إذ هو تعليق العتق بالشرط لفظا ، [ ص: 7 ] ولهذا لا يتوقف على قبول العبد ولا يحتمل الفسخ ولا جبر على مباشرة شروط الأيمان ; لأنه لا استحقاق قبل وجود الشرط ، بخلاف الكتابة ; لأنه معاوضة والبدل فيها واجب .

ولنا أنه تعليق نظرا إلى اللفظ ومعاوضة نظرا إلى المقصود ; لأنه ما علق عتقه بالأداء إلا ليحثه على دفع المال فينال العبد شرف الحرية والمولى المال بمقابلته بمنزلة الكتابة ، ولهذا كان عوضا في الطلاق في مثل هذا اللفظ حتى كان بائنا فجعلناه تعليقا في الابتداء عملا باللفظ ودفعا للضرر عن المولى حتى لا يمتنع عليه بيعه ، ولا يكون العبد أحق بمكاسبه ولا يسري إلى الولد المولود قبل الأداء ، وجعلناه معاوضة في الانتهاء عند الأداء دفعا للغرور عن العبد حتى يجبر المولى على القبول ، [ ص: 8 - 9 ] فعلى هذا يدور الفقه وتخرج المسائل نظيره الهبة بشرط العوض .

ولو أدى البعض يجبر على القبول إلا أنه لا يعتق ما لم يؤد الكل لعدم الشرط كما إذا حط البعض وأدى الباقي . ثم لو أدى ألفا اكتسبها قبل التعليق رجع المولى عليه وعتق لاستحقاقها ، ولو كان اكتسبها بعده لم يرجع عليه ; لأنه مأذون من جهته بالأداء منه ، [ ص: 10 ] ثم الأداء في قوله إن أديت يقتصر على المجلس ; لأنه تخيير ، وفي قوله إذا أديت لا يقتصر ; لأن إذا تستعمل للوقت [ ص: 11 ] بمنزلة متى .

التالي السابق


( قوله : وإن أحضر المال أجبره الحاكم على قبضه وعتق العبد ) ومعنى الإجبار فيه وفي سائر الحقوق من ثمن المبيع وبدل الإجارة وغيرها أن ينزل قابضا بالتخلية بينه وبينه بأن يكون بحيث لو مد يده أخذه ، وعلى هذا فمعنى نسبة الإجبار للحاكم أن يحكم بأنه قبض هذا إذا كان العوض صحيحا ، أما لو كان خمرا أو مجهولا جهالة فاحشة كما لو كان قال له إن أديت إلي كذا خمرا أو ثوبا فأنت حر فأدى ذلك لا يجبر على قبولهما : أي لا ينزل قابضا إلا إن [ ص: 7 ] أخذه مختارا ، وأما عدم العتق في قوله إن أديت إلي ألفا فحججت بها فأنت حر لا يجبر على القبول ; لأن التعليق بشيئين المال والحج فلا يعتق بمجرد المال لبطلان معنى المعاوضة ، ولذا إن كان قال إن أديت إلي ألفا أحج بها يجبر على القبول ; لأن الأداء إتمام الشرط والحج وقع مشورة .

وقال زفر : لا يجبر على القبول : أي لا ينزل قابضا بالتخلية بل إن أخذه كان قابضا وعتق العبد . وقوله هو القياس ; لأنه تصرف يمين إذ هو تعليق العتق بالشرط لفظا ، ولهذا لا يتوقف صحته على قبول العبد ولا يحتمل الفسخ ، وإذا كان يمينا فلا إجبار على مباشرة شروط الأيمان ; لأنه لا استحقاق قبل الشرط بل بالشرط ، ولا يجبر على أن يباشر الإنسان سببا يوجب عليه شيئا ، بخلاف الكتابة ; لأنه عقد معاوضة لازمة والبدل فيها واجب على العبد فيجبر على قبضه إذا أتى به أما هنا البدل ليس واجبا على العبد فلا يلزم المولى قبوله . واعلم أن الكتابة قد تثبت بصيغة الشرط إذا حف بما يقتضيها كقوله إن أديت إلي ألفا كل شهر مائة فأنت حر فإنه يصير مكاتبا لا يجوز بيعه ، كذا ذكره في الدراية مقتصرا ، ونسبه إلى الخزانة ، والمسألة في مبسوط شمس الأئمة .

وذكر أن هذا هو المذكور في نسخ أبي سليمان ، وفي نسخ أبي حفص لا يكون مكاتبا وله بيعه ; لأنه تعليق بشروط ، وهو أن يؤدي المال عشر مرات والتعليق بشرط واحد وشروط سواء . ووجه رواية أبي سليمان أنه جعله منجما والتنجيم من حكم الكتابة والعبرة للمعاني لا للألفاظ واستشهد لأبي حفص بما لو قال إن أديت إلي ألفا في هذا الشهر فلم يؤده فيه ، وأداه في غيره لا يعتق اتفاقا . وأجيب بأنه ليس في هذا تنجيم تحتمل التأمل ( قوله ولنا أنه تعليق نظرا إلى اللفظ ومعاوضة بالنظر إلى المقصود ; لأنه ما علق عتقه بالأداء إلا ليحثه على دفع المال فينال العبد شرف الحرية ) من جهة السيد وينال السيد [ ص: 8 ] المال عوضا عنه وهو معنى المعاوضة ، وقد فرض صحة هذا التصرف لتحقيق هذا الغرض شرعا فلا بد من اعتباره معاوضة ، ولذا كان عوضا في الطلاق إذا قال إن أديت إلي ألفا فأنت طالق حتى وقع بائنا لكن لما لم يكن المال لازما على العبد تأخر هذا الاعتبار إلى وقت أدائه إياه ، ويلزم اعتباره مكاتبا ; لأن ما بالضرورة يتقدر بقدرها فيثبت ملكه لذلك قبيله ويلزم قبوله على السيد وبه يندفع الإيراد القائل فيه كيف تصح المعاوضة وكل من البدل والمبدل للمولى ; لأن على ما ذكر يكون المال للعبد لا للمولى .

وقد أجيب بأن هذه مغالطة ; لأن العتق حصل للعبد ، وهذا يتم إن أريد بالمبدل العتق ، أما إن أريد به الإعتاق الذي هو فعله فلا ، ولو حول تقرير الإشكال إلى أن المال ملك السيد فكيف يعتق بأدائه ، وإن أنزل مكاتبا كما أن المكاتب لا يعتق بأداء ما كان اكتسبه قبل الكتابة لم يقع هذا الجواب دافعا ، بخلاف ذلك الجواب فإنه يدفع الإشكال كيفما قرر . فأما ما قبل الأداء فالواجب اعتبار الشرط وإلا لتضرر السيد إذ يمتنع بيعه عليه ويصير العبد أحق بمكاسبه من سيده مع أنه لم يجب عليه أداء مال وتسري الحرية إلى المولود للأمة المعلق عتقها بالأداء ، بخلاف ما لو كان عبدا ; لأن رق الولد وحريته تابعة لأمه . والحاصل أنه ثبت له جهتا التعليق والمعاوضة فوجب توفير مقتضى كل عليه ، وعلى هذا يدور الفقه ، أي على ترتيب مقتضى كل شبه عليه وتخرج المسائل المختلفة التي بعضها يقتضي اعتباره تعليقا وبعضها يقتضي اعتباره معاوضة ، إلا أنه لما تأخر اعتبار المعاوضة إلى وقت الأداء كانت أحكام الشرط أكثر من أحكام المعاوضة فلم يثبت من أحكامها إلا ما هو بعد الأداء ، وهو ما إذا وجد السيد بعض المؤدى زيوفا فإن له أن يرجع بقدره جيادا وما كان من [ ص: 9 ] ضروريات المعاوضة وهو تقديم ملك العبد لما أداه وإنزاله قابضا إذا أتاه به ، وفيما قبل ذلك المعتبر جهة التعليق فكثرت آثاره بالنسبة إلى المعاوضة فلهذا خالف المعاوضة التي هي الكتابة في صور كثيرة . الأولى : ما إذا مات العبد قبل الأداء وترك مالا فهو للمولى ولا يؤدي منه عنه ويعتق بخلاف الكتابة .

والثانية : لو مات المولى وفي يد العبد كسب كان لورثه المولى ويباع العبد بخلاف الكتابة . الثالثة : لو كانت أمة فولدت ثم أدت فعتقت لم يعتق ولدها ; لأنه ليس لها حكم الكتابة وقت الولادة بخلاف الكتابة . الرابعة : لو قال العبد للمولى حط عني مائة فحط المولى عنه مائة وأدى تسعمائة لا يعتق بخلاف الكتابة . والخامسة : لو أبرأ المولى العبد عن الألف لم يعتق ، ولو أبرأ المكاتب عتق كذا ذكروها ، والظاهر أنه لا موقع لها إذ الفرق بعد تحقق الإبراء في الموضعين يكون والإبراء لا يتصور في هذه المسألة ; لأنه لا دين على العبد بخلاف الكتابة .

السادسة : لو باع المولى العبد ثم اشتراه أو رد عليه بخيار عيب ففي وجوب قبول ما يأتي به خلاف عند أبي يوسف ، نعم ، وعند محمد لا ، ولكن لو قبضه عتق بخلاف الكتابة فإنه لا خلاف في أنه يجب أن يقبله ، ويعد قابضا . ووجه قول محمد إن وجوب القبول وإنزاله قابضا كان من حكم الكتابة وقد بطلت بالبيع فلا يجب القبول ، غير أنه لو قبله عتق بحكم التعليق وهو لا يبطل بالخروج عن الملك ; لما عرف في الأيمان بالطلاق ، وقول أبي يوسف عندي أوجه ; لأن الكتابة التي تطل بالبيع التي هي القائمة عنده . وأنت علمت أن إنزاله مكاتبا إنما هو في الانتهاء ، وهو ما عند أدائه فلا ينزل مكاتبا قبله بل الثابت قبله ليس إلا أحكام التعليق والبيع كان قبله ولا كتابة حينئذ معتبرة شرعا فتبطل ، وقد فرض بقاء هذه اليمين واعتبار صحتها بعد البيع فيجب ثبوت أحكامها ، ومنها وجوب القبول إذا أتى بالمال . السابعة : أنه يقتصر على المجلس فلا يعتق ما لم يؤد في ذلك المجلس ، فلو اختلف بأن أعرض أو أخذ في عمل آخر فأدى لا يعتق بخلاف الكتابة ، هذا إذا كان المذكور من أدوات الشرط لفظة إن ، فإن كان لفظة متى أو إذا فلا يقتصر على المجلس . الثامنة : أنه يجوز للمولى بيع العبد بعد قوله ذلك قبل أن يؤدي بخلاف المكاتب .

التاسعة : أن للسيد أن يأخذ ما يظفر به مما اكتسبه قبل أن يأتيه بما يؤديه بخلاف المكاتب . العاشرة : أنه إذا أدى وعتق وفضل عنده مال مما اكتسبه كان للسيد فيأخذه بخلاف المكاتب . الحادية عشر لو اكتسب العبد مالا قبل تعليق السيد فأداه بعده إليه عتق ، وإن كان السيد يرجع بمثله على ما سيذكر ، بخلاف الكتابة لا يعتق بأدائه ; لأنه ملك المولى إلا أن يكون كاتبه على نفسه وماله فإنه حينئذ يصير به أحق من سيده فإذا أدى منه عتق . ( قوله : ولو أدى البعض يجبر على القول إلا أنه لا يعتق ) ; لأن شرط العتق أداء الكل [ ص: 10 ] ولم يوجد كما لو حط عنه البعض وأدى الباقي فإنه لا يعتق كما ذكرنا في المسائل ; لعدم الشرط ، وإنما يجبر على قبوله ; لأنه بعض ما يجب عليه قبوله ، فكما يجب قبول الكل يجب قبول بعضه ، ولا خفاء في ورود منع هذه الملازمة وذلك ; لأن وجوب قبول الكل ; لأن به يتحقق شرط العتق الذي هو حق العبد ، وليس أداء البعض كذلك إلا إذا كان في ضمن الكل فإنه يجب قبوله باعتبار أنه محقق للكل لا باعتبار أنه بعضه فلذا كان في هذه المسألة خلاف ، وما ذكره المصنف هو المذكور في الإيضاح . وذكر شيخ الإسلام أنه لا يجب قبوله كما ذكرنا ، وذكر في شرح الطحاوي أن عدم وجوب قبوله قول أبي يوسف وأنه القياس ، والاستحسان هو أن يجبر على القبول كالمكاتب ، والأوجه وهو وجه الاستحسان أن وجوب قبوله البعض لدفع الضرر عن العبد ; لأنه قد يعجز عن أداء الكل دفعة ، وما تحمل مشقة الاكتساب إلا لذلك الغرض ، فلو وقفناه على تحصيل الكل ذهب تحمله كد سعيه خاليا عن غرضه .

ومما تقدم يعلم أن السيد لو خطفه منه قبل أن يأتيه به جاز ولا يحتسب له به من أداء المشروط . ( قوله : ثم لو أدى ألفا اكتسبها قبل التعليق يعتق ويرجع المولى عليه ) بمثلها ، أما العتق فلوجود الشرط وهو أداء الألف حتى يعتق لو كانت ألفا مغصوبة ، إلا أنه لا يجب عليه قبول المغصوبة ، وأما رجوع المولى بمثلها فلاستحقاقه إياها ، وهو المراد بقول المصنف لاستحقاقها إضافة للمصدر إلى المفعول ، وهو تعليل للرجوع وهذا ; لأنها ملكه ، والعبد وإن قلنا إنه يملك ما اكتسبه عند الأداء ويصير عنده كالمكاتب لكن ذلك فيما اكتسبه بعد التعليق ، وهذا يوجبه النظر في الغرض ، وهو أن يعتقه بأداء ألف يحدث حصولها له فيملك ما لم يكن مالكا له ، وتلك الألف ليست كذلك فيرجع بمثلها دفعا للضرر عن المولى . ( قوله : ثم الأداء في قوله إن أديت يقتصر على المجلس ) فلو اختلف [ ص: 11 ] المجلس بأن قام العبد أو أعرض أو أخذ في عمل آخر ثم أدى لا يعتق ، وهذا ; لأنه تخيير محض ، إذ ليس في كلامه ما يدل على الوقت ; لأن إن للشرط فقط ، بخلاف إذا ومتى لدلالتهما عليه لا يتوقف ففي أي وقت أدى عتق . وعن أبي يوسف إن بمنزلة إذا ومتى . وقد يوجه بأن إن لم تدل على الوقت صار المعلق به الأداء في مطلق الوقت فيتخير فيه كالأمر المطلق عن الوقت يتخير في أي وقت شاء .

ويجاب بأنه لما لم يدل على الوقت فإنما يثبت مقتضى للفعل ووقت مجلس الإيجاب حاضر متيقن فيتقيد به . ولا يخفى أن معنى كونه ضرورة الفعل أن تحقيق الفعل بدونه لا يمكن فلا يثبت مدلولا أصلا فإنما يثبت للفعل وقت وجوده أي وقت وجد . لا يقال : بالأداء يختلف المجلس فلا يتصور العتق بالأداء ; لأنا نقول : يجب أن يستثنى مقدار الحنث كما يستثنى مقدار البر في حلفه لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه حتى لم يحنث بقدر شغله بنزعه فلا يتبدل المجلس بالأداء .

[ فرع ] . قال إن أديتما إلي ألفا فأنتما حران فأدى أحدهما حصته لن يعتق ; لأن شرط العتق أداؤهما جميع المال ، وجملة الشرط تقابل جملة المشروط من غير انقسام الأجزاء على الأجزاء ، وإنما الانقسام في المعاوضات ، ولذا لو أدى أحدهما جميع الألف من عنده لم يعتق ، لأن الشرط أداؤهما فلا يتم بأحدهما ، فإن قال المؤدي خمسمائة من عندي وخمسمائة بعث بها صاحبي لأؤديها إليك عتقا ; لأن أداء الرسول كأداء المرسل فتم الشرط وهو أداؤهما ، ولو أدى عنهما أجنبي لا يعتقان ; لأنه ليس أداءهما ولا ينتقل إليهما بخلاف الكتابة ، وللمؤدي أن يرجع على المولى ; لأنه أدى ليعتقا ولم يحصل مقصوده ، فإن قال أؤديها إليك على أنهما حران أو على أن تعتقهما فقبل على ذلك عتقا ويرجع المؤدي بالمال على السيد . أما المعتق فلأن قبول المولى على هذا الشرط بمنزلة الإعتاق منه لهما ، وأما حق الرجوع فلأن عوض العتق لا يجب على الأجنبي ، ولو قال هما أمراني أن أؤديها إليك فقبلها عتقا ; لأنه رسول عنهما .




الخدمات العلمية